فِيهِ وُجُوهٌ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمَغْفِرَةَ مَشْرُوطَةٌ بِالْإِسْلَامِ وَطَلَبُ الْمَشْرُوطِ مُتَضَمِّنٌ لِطَلَبِ الشَّرْطِ فَقَوْلُهُ: (وَاغْفِرْ لِأَبِي) يَرْجِعُ حَاصِلُهُ إِلَى أَنَّهُ دُعَاءٌ لِأَبِيهِ بِالْإِسْلَامِ.
الثَّانِي: أَنَّ أَبَاهُ وَعَدَهُ الْإِسْلَامَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ) [التَّوْبَةِ: 114] فَدَعَا لَهُ لِهَذَا الشَّرْطِ وَلَا يَمْتَنِعُ الدُّعَاءُ لِلْكَافِرِ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ) [التَّوْبَةِ: 114] وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّ الدُّعَاءَ بِهَذَا الشَّرْطِ جَائِزٌ لِلْكَافِرِ فَلَوْ كَانَ دُعَاؤُهُ مَشْرُوطًا لَمَا مَنَعَهُ اللَّه عَنْهُ.
الثَّالِثُ: أَنَّ أَبَاهُ قَالَ لَهُ إِنَّهُ عَلَى دِينِهِ بَاطِنًا وَعَلَى دِينِ نَمْرُوذَ ظَاهِرًا تَقِيَّةً وَخَوْفًا، فَدَعَا لَهُ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ خِلَافَ ذَلِكَ تَبَرَّأَ مِنْهُ، لِذَلِكَ قَالَ فِي دُعَائِهِ: (إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ) فَلَوْلَا اعْتِقَادُهُ فِيهِ أَنَّهُ فِي الْحَالِ لَيْسَ بِضَالٍّ لَمَا قَالَ ذَلِكَ.