قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ)
واعلم أَنَّ قَوْلَهُ: (وَما جَعَلْنَا) مَعْنَاهُ مَا شَرَعْنَا وَمَا حَكَمْنَا كَقَوْلِهِ: (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ)
أَيْ مَا شَرَعَهَا وَلَا جَعَلَهَا دِينًا.
وَقَوْلُهُ: (كُنْتَ عَلَيْها) أَيْ كُنْتَ مُعْتَقِدًا لِاسْتِقْبَالِهَا، كَقَوْلِ الْقَائِلِ: كَانَ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ دَيْنٌ.
وَقَوْلُهُ: (كُنْتَ عَلَيْها لَيْسَ بِصِفَةٍ لِلْقِبْلَةِ، إِنَّمَا هُوَ ثَانِي مَفْعُولَيْ جَعَلَ يُرِيدُ: وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الْجِهَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا.
* قَوْلُهُ: (إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ)
وَمَا جَعَلْنَا كَذَا وَكَذَا إِلَّا لِنَعْلَمَ كَذَا يُوهِمُ أَنَّ الْعِلْمَ بِذَلِكَ الشَّيْءِ لَمْ يَكُنْ حَاصِلًا فَهُوَ فَعَلَ ذَلِكَ الْفِعْلَ لِيَحْصُلَ لَهُ ذَلِكَ الْعِلْمُ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَعْلَمْ تِلْكَ الْأَشْيَاءَ قَبْلَ وُقُوعِهَا، وَنَظِيرُهُ فِي الْإِشْكَالِ قَوْلُهُ: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ) [مُحَمَّدٍ: 31] وَقَوْلُهُ: (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا) [الْأَنْفَالِ: 66] وَقَوْلُهُ: (لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى) [طه: 44] وَقَوْلُهُ: (فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا) [الْعَنْكَبُوتِ: 3] وَقَوْلُهُ: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) [آلِ عِمْرَانَ: 142] وَقَوْلُهُ: (وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ) [سبأ: 21] والكلام في هذه المسألة أمر مُسْتَقْصًى فِي قَوْلِهِ: (وَإِذِ ابْتَلى) وَالْمُفَسِّرُونَ أَجَابُوا عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ: (إِلَّا لِنَعْلَمَ) مَعْنَاهُ إِلَّا لِيَعْلَمَ حِزْبُنَا مِنَ النَّبِيِّينَ وَالْمُؤْمِنِينَ كَمَا يَقُولُ الْمَلِكُ: فَتَحْنَا الْبَلْدَةَ الْفُلَانِيَّةَ بِمَعْنَى: فَتَحَهَا أَوْلِيَاؤُنَا، وَمِنْهُ يُقَالُ: فَتَحَ عمر السواد، ومنه قول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِيمَا يَحْكِيهِ عَنْ رَبِّهِ: «اسْتَقْرَضْتُ عَبْدِي فَلَمْ يُقْرِضْنِي، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ ينبغي له أن يشتمني يقول وا دهراه وَأَنَا الدَّهْرُ»
وَفِي الْحَدِيثِ: «مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيًّا فَقَدْ أَهَانَنِي» .
وَثَانِيهَا: مَعْنَاهُ لِيَحْصُلَ الْمَعْدُومُ فَيَصِيرَ مَوْجُودًا، فَقَوْلُهُ: (إِلَّا لِنَعْلَمَ) مَعْنَاهُ: إِلَّا لِنَعْلَمَهُ مَوْجُودًا.
«فَإِنْ قِيلَ» : فَهَذَا يَقْتَضِي حُدُوثَ الْعِلْمِ؟
قُلْنَا: اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْعِلْمَ بِأَنَّ الشَّيْءَ سَيُوجَدُ هَلْ هُوَ عُلِمَ بِوُجُودِهِ إِذَا وُجِدَ، الْخِلَافُ فِيهِ مَشْهُورٌ.
وَثَالِثُهَا: إِلَّا لِنُمَيِّزَ هَؤُلَاءِ مِنْ هَؤُلَاءِ بِانْكِشَافِ مَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْإِخْلَاصِ وَالنِّفَاقِ، فَيَعْلَمَ الْمُؤْمِنُونَ مَنْ يُوَالُونَ مِنْهُمْ وَمَنْ يُعَادُونَ، فَسَمَّى التَّمْيِيزَ عِلْمًا، لِأَنَّهُ أَحَدُ فَوَائِدِ الْعِلْمِ وَثَمَرَاتِهِ.
وَرَابِعُهَا: (إِلَّا لِنَعْلَمَ) مَعْنَاهُ: إِلَّا لِنَرَى، وَمَجَازُ هَذَا أَنَّ الْعَرَبَ تَضَعُ الْعِلْمَ مَكَانَ الرُّؤْيَةِ، وَالرُّؤْيَةَ مَكَانَ الْعِلْمِ كقوله: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ) وَرَأَيْتُ، وَعَلِمْتُ، وَشَهِدْتُ، أَلْفَاظٌ مُتَعَاقِبَةٌ.
وَخَامِسُهَا: مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْفَرَّاءُ: وَهُوَ أَنَّ حُدُوثَ الْعِلْمِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ رَاجِعٌ إِلَى الْمُخَاطَبِينَ، وَمِثَالُهُ أَنَّ جَاهِلًا وَعَاقِلًا اجْتَمَعَا، فَيَقُولُ الْجَاهِلُ: الْحَطَبُ يَحْرِقُ النَّارَ، وَيَقُولُ الْعَاقِلُ: بَلِ النَّارُ تَحْرِقُ الْحَطَبَ، وَسَنَجْمَعُ بَيْنَهُمَا لِنَعْلَمَ أَيُّهُمَا يَحْرِقُ صَاحِبَهُ مَعْنَاهُ: لِنَعْلَمَ أَيُّنَا الْجَاهِلُ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: (إِلَّا لِنَعْلَمَ) إِلَّا لِتَعْلَمُوا وَالْغَرَضُ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ مِنَ الْكَلَامِ: الِاسْتِمَالَةُ وَالرِّفْقُ فِي الْخِطَابِ، كَقَوْلِهِ: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً) [سَبَأٍ: 24] فَأَضَافَ الكلام الموهم للشك إلى نفسه ترفيقًا لِلْخِطَابِ وَرِفْقًا بِالْمُخَاطَبِ، فَكَذَا قَوْلُهُ: (إِلَّا لِنَعْلَمَ) .
وَسَادِسُهَا: نُعَامِلُكُمْ مُعَامَلَةَ الْمُخْتَبَرِ الَّذِي كَأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ، إِذِ الْعَدْلُ يُوجِبُ ذَلِكَ.
وَسَابِعُهَا: أَنَّ (الْعِلْمَ) صِلَةٌ زَائِدَةٌ، فَقَوْلُهُ (إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ) مَعْنَاهُ: إِلَّا لِيَحْصُلَ اتِّبَاعُ الْمُتَّبِعِينَ، وَانْقِلَابُ الْمُنْقَلِبِينَ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُكَ فِي الشَّيْءِ الَّذِي تَنْفِيهِ عَنْ نَفْسِكَ: مَا عَلِمَ اللَّهُ هَذَا مِنِّي أَيْ مَا كَانَ هَذَا مِنِّي وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَعَلِمَهُ اللَّهُ.