يُقَالُ لَفْظُ (اللَّهُ) أَعْظَمُ مِنْ لَفْظِ الرَّبُّ، فَلِمَ صَارَ لَفْظُ الرَّبِّ مُخْتَصًّا بِوَقْتِ الدُّعَاءِ؟ وَالْجَوَابُ كَأَنَّ الْعَبْدَ يَقُولُ: كُنْتُ في كتم العدم المحض وَالنَّفْيِ الصِّرْفِ، فَأَخْرَجْتَنِي إِلَى الْوُجُودِ، وَرَبَّيْتَنِي فَاجْعَلْ تَرْبِيَتِكَ لِي شَفِيعًا إِلَيْكَ فِي أَنْ لَا تُخَلِّيَنِي طَرْفَةَ عَيْنٍ عَنْ تَرْبِيَتِكَ وَإِحْسَانِكَ وَفَضْلِكَ.
* اعْلَمْ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ وَصَفُوا اللَّهَ تَعَالَى بِثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ مِنَ الصِّفَاتِ: الرُّبُوبِيَّةُ وَالرَّحْمَةُ وَالْعِلْمُ، أَمَّا الرُّبُوبِيَّةُ فَهِيَ إِشَارَةٌ إِلَى الْإِيجَادِ وَالْإِبْدَاعِ، وَفِيهِ لَطِيفَةٌ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ قَوْلَهُمْ (رَبَّنا) إِشَارَةٌ إِلَى التَّرْبِيَةِ، وَالتَّرْبِيَةُ عِبَارَةٌ عَنْ إِبْقَاءِ الشَّيْءِ عَلَى أَكْمَلِ أَحْوَالِهِ وَأَحْسَنِ صِفَاتِهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْمُمْكِنَاتِ، كَمَا أَنَّهَا مُحْتَاجَةٌ حَالَ حُدُوثِهَا إِلَى إِحْدَاثِ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَإِيجَادِهِ، فَكَذَلِكَ إِنَّهَا مُحْتَاجَةٌ حَالَ بَقَائِهَا إِلَى إِبْقَاءِ اللَّهِ، وَأَمَّا الرَّحْمَةُ فَهِيَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ جَانِبَ الْخَيْرِ وَالرَّحْمَةِ وَالْإِحْسَانِ رَاجِحٌ عَلَى جَانِبِ الضُّرِّ، وَأَنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا خَلَقَ الْخَلْقَ لِلرَّحْمَةِ وَالْخَيْرِ، لَا لِلْإِضْرَارِ وَالشَّرِّ.
«فَإِنْ قِيلَ» : قَوْلُهُ (رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا) فِيهِ سُؤَالٌ، لِأَنَّ الْعِلْمَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ، أَمَّا الرَّحْمَةُ فَمَا وَصَلَتْ إِلَى كُلِّ شَيْءٍ، لِأَنَّ الْمَضْرُورَ حَالَ وُقُوعِهِ فِي الضُّرِّ لَا يَكُونُ ذَلِكَ الضَّرَرُ رَحْمَةً، وَهَذَا السُّؤَالُ أَيْضًا مَذْكُورٌ فِي قوله (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) [الأعراف: 156] ؟
قُلْنَا كُلُّ وُجُودٍ فَقَدْ نَالَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى نَصِيبًا وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَوْجُودَ إِمَّا وَاجِبٌ وَإِمَّا مُمْكِنٌ، أَمَّا الْوَاجِبُ فَلَيْسَ إِلَّا الله سبحانه وتعالى، وَأَمَّا الْمُمْكِنُ فَوُجُودُهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَبِإِيجَادِهِ، وَذَلِكَ رَحْمَةٌ، فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا مَوْجُودَ غَيْرُ اللَّهِ إِلَّا وَقَدْ وَصَلَ إِلَيْهِ نَصِيبٌ وَنِصَابٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، فَلِهَذَا قَالَ: (رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا)
وَفِي الْآيَةِ دَقِيقَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ قَدَّمُوا ذِكْرَ الرَّحْمَةِ عَلَى ذِكْرِ الْعِلْمِ فَقَالُوا (رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا) وَذَلِكَ لِأَنَّ مَطْلُوبَهُمْ إِيصَالُ الرحمة وأن يتجاوز عما عليه مِنْهُمْ مِنْ أَنْوَاعِ الذُّنُوبِ، فَالْمَطْلُوبُ بِالذَّاتِ هُوَ الرَّحْمَةُ، وَالْمَطْلُوبُ بِالْعَرَضِ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَمَّا عَلِمَهُ مِنْهُمْ، وَالْمَطْلُوبُ بِالذَّاتِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَطْلُوبِ بِالْعَرَضِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا كَانَ إِبْقَاءُ الصِّحَّةِ مَطْلُوبًا بِالذَّاتِ وَإِزَالَةُ الْمَرَضِ مَطْلُوبًا بِالْعَرَضِ لَا جَرَمَ لَمَّا ذَكَرُوا حَدَّ الطِّبِّ قَدَّمُوا فِيهِ حِفْظَ الصِّحَّةِ عَلَى إِزَالَةِ الْمَرَضِ، فَقَالُوا الطِّبُّ عِلْمٌ يُتَعَرَّفُ مِنْهُ أَحْوَالُ بَدَنِ الْإِنْسَانِ مِنْ جِهَةِ مَا يَصْلُحُ وَيَزُولُ عَنِ الصِّحَّةِ لِتُحْفَظَ الصِّحَّةُ حَاصِلَةً وَتُسْتَرَدَّ زَائِلَةً، فَكَذَا هَاهُنَا الْمَطْلُوبُ بِالذَّاتِ هُوَ الرَّحْمَةُ، وَأَمَّا التَّجَاوُزُ عَمَّا عَلِمَهُ مِنْهُمْ مِنْ أَنْوَاعِ الذُّنُوبِ فَهُوَ مَطْلُوبٌ بِالْعَرَضِ، لِأَجْلِ أَنَّ حُصُولَ الرَّحْمَةِ عَلَى سَبِيلِ الْكَمَالِ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِالتَّجَاوُزِ عَنِ الذُّنُوبِ، فَلِهَذَا السَّبَبِ وَقَعَ ذِكْرُ الرَّحْمَةِ سَابِقًا عَلَى ذِكْرِ الْعِلْمِ.