(يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا)
فيه وجوه:
الأول: قال البصريون: المضاف هاهنا مَحْذُوفٌ وَتَقْدِيرُهُ: يُبَيِّنُ اللَّه لَكُمْ كَرَاهَةَ أَنْ تضلوا، إلا أنه حذف المضاف كقوله (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) [يُوسُفَ: 82]
الثَّانِي: قَالَ الْكُوفِيُّونَ: حَرْفُ النَّفْيِ مَحْذُوفٌ، وَالتَّقْدِيرُ: يُبَيِّنُ اللَّه لَكُمْ لِئَلَّا تَضِلُّوا، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا) [فَاطِرٍ: 41] أَيْ لِئَلَّا تَزُولَا.
الثَّالِثُ: قَالَ الْجُرْجَانِيُّ صَاحِبُ «النَّظْمِ» : يُبَيِّنُ اللَّه لَكُمُ الضَّلَالَةَ لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا ضَلَالَةٌ فَتَجَنَّبُوهَا.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)
فَيَكُونُ بَيَانُهُ حَقًّا وَتَعْرِيفُهُ صِدْقًا.
وَاعْلَمْ أَنَّ فِي هَذِهِ السُّورَةِ لَطِيفَةً عَجِيبَةً، وَهِيَ أَنَّ أَوَّلَهَا مُشْتَمِلٌ عَلَى بَيَانِ كَمَالِ قُدْرَةِ اللَّه تَعَالَى فَإِنَّهُ قال: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ) [النِّسَاءِ: 1] وَهَذَا دَالٌّ عَلَى سَعَةِ الْقُدْرَةِ، وَآخِرَهَا مُشْتَمِلٌ عَلَى بَيَانِ كَمَالِ الْعِلْمِ وَهُوَ قَوْلُهُ (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) وَهَذَانِ الْوَصْفَانِ هُمَا اللَّذَانِ بِهِمَا تَثْبُتُ الرُّبُوبِيَّةُ وَالْإِلَهِيَّةُ وَالْجَلَالَةُ وَالْعِزَّةُ، وَبِهِمَا يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَكُونَ مُطِيعًا لِلْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي مُنْقَادًا لِكُلِّ التَّكَالِيفِ.