قَوْلُهُ: (بِما تُبْصِرُونَ وَما لَا تُبْصِرُونَ) يعم جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ عَلَى الشُّمُولِ، لِأَنَّهَا لَا تَخْرُجُ عَنْ قِسْمَيْنِ: مُبْصَرٍ وَغَيْرِ مُبْصَرٍ، فَشَمَلَ الْخَالِقَ وَالْخَلْقَ، وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ، وَالْأَجْسَامَ وَالْأَرْوَاحَ، وَالْإِنْسَ وَالْجِنَّ، والنعم الظاهرة والباطنة.
فإن قيل: إنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى، وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ الْوَاحِدُ كَلَامًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَلِجِبْرِيلَ وَلِمُحَمَّدٍ، وَهَذَا غَيْرُ مَعْقُولٍ؟
فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ يَكْفِي فِي صِدْقِ الْإِضَافَةِ أَدْنَى سَبَبٍ، فَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى، بِمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي أَظْهَرَهُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، وَهُوَ الَّذِي رَتَّبَهُ وَنَظَّمَهُ، وَهُوَ كَلَامُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، بمعنى أنه هو الذي أنزله من السماوات إِلَى الْأَرْضِ، وَهُوَ كَلَامُ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - بِمَعْنَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَظْهَرَهُ لِلْخَلْقِ، وَدَعَا النَّاسَ إِلَى الإيمان به، وجعله حجة لنبوته.