فهرس الكتاب

الصفحة 249 من 2716

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ)

ظَاهِرُ الْآيَةِ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ إِنَّمَا كَفَرُوا لِأَجْلِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ، لِأَنَّ تَرْتِيبَ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ مُشْعِرٌ بِالْعِلِّيَّةِ وَتَعْلِيمُ مَا لَا يَكُونُ كُفْرًا لَا يُوجِبُ الْكُفْرَ، فَصَارَتِ الْآيَةُ دَالَّةً عَلَى أَنَّ تَعْلِيمَ السِّحْرِ كُفْرٌ، وَعَلَى أَنَّ السِّحْرَ أَيْضًا كُفْرٌ، وَلِمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ تَرْتِيبَ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ مُشْعِرٌ بِالْعِلِّيَّةِ، بَلِ الْمَعْنَى أَنَّهُمْ كَفَرُوا وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ.

«فَإِنْ قِيلَ» : هَذَا مُشْكِلٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ فِي آخِرِ الْآيَةِ أَنَّ الْمَلَكَيْنِ يُعَلِّمَانِ النَّاسَ السِّحْرَ، فَلَوْ كَانَ تَعْلِيمُ السِّحْرِ كُفْرًا لَزِمَ تَكْفِيرُ الْمَلَكَيْنِ، وَإِنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ لِمَا ثَبَتَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ بِأَسْرِهِمْ مَعْصُومُونَ وَأَيْضًا فَلِأَنَّكُمْ قَدْ دَلَلْتُمْ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَا يُسَمَّى سِحْرًا فَهُوَ كُفْرٌ.

قُلْنَا: اللَّفْظُ الْمُشْتَرَكُ لَا يَكُونُ عَامًّا فِي جَمِيعِ مُسَمَّيَاتِهِ، فَنَحْنُ نَحْمِلُ هَذَا السِّحْرَ الَّذِي هُوَ كُفْرٌ عَلَى النَّوْعِ الْأَوَّلِ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمُسَمَّاةِ بِالسِّحْرِ، وَهُوَ اعْتِقَادُ إِلَهِيَّةِ الْكَوَاكِبِ وَالِاسْتِعَانَةُ بِهَا فِي إِظْهَارِ الْمُعْجِزَاتِ وَخَوَارِقِ الْعَادَاتِ، فَهَذَا السِّحْرُ كُفْرٌ، وَالشَّيَاطِينُ إِنَّمَا كَفَرُوا لِإِتْيَانِهِمْ بِهَذَا السِّحْرِ لَا بِسَائِرِ الْأَقْسَامِ.

وَأَمَّا الْمَلَكَانِ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُمَا عَلَّمَا هَذَا النَّوْعَ مِنَ السِّحْرِ، بَلْ لَعَلَّهُمْ يُعَلِّمَانِ سَائِرَ الْأَنْوَاعِ عَلَى مَا قَالَ تَعَالَى: (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ) وَأَيْضًا فَبِتَقْدِيرِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمَا عَلَّمَا هَذَا النَّوْعَ لَكِنَّ تَعْلِيمَ هَذَا النَّوْعِ إِنَّمَا يَكُونُ كُفْرًا إذا قصد المعلم أن يعتقد حقيته وَكَوْنُهُ صَوَابًا، فَأَمَّا أَنْ يُعَلِّمَهُ لِيُحْتَرَزَ عَنْهُ فَهَذَا التَّعْلِيمُ لَا يَكُونُ كُفْرًا، وَتَعْلِيمُ الْمَلَائِكَةِ كَانَ لِأَجْلِ أَنْ يَصِيرَ الْمُكَلَّفُ مُحْتَرِزًا عَنْهُ عَلَى مَا قَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْهُمَا: (وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ) وَأَمَّا الشَّيَاطِينُ الَّذِينَ عَلَّمُوا النَّاسَ السِّحْرَ فَكَانَ مَقْصُودُهُمُ اعْتِقَادَ حقية هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَظَهَرَ الْفَرْقُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت