فهرس الكتاب

الصفحة 1141 من 2716

قَوْلُهُ: (وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ)

الْمُرَادُ مِنْهُ: تَعْلِيمُ أَنَّهُ كَيْفَ يُمْكِنُ الْإِتْيَانُ بِهَذِهِ الْمُعَارَضَةِ لَوْ كَانُوا قَادِرِينَ عَلَيْهَا، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الْجَمَاعَةَ إِذَا تَعَاوَنَتْ وَتَعَاضَدَتْ صَارَتْ تِلْكَ الْعُقُولُ الْكَثِيرَةُ كَالْعَقْلِ الْوَاحِدِ، فَإِذَا تَوَجَّهُوا نَحْوَ شَيْءٍ وَاحِدٍ، قَدَرَ مَجْمُوعُهُمْ عَلَى مَا يَعْجَزُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: هَبْ أَنَّ عَقْلَ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ مِنْكُمْ لَا يَفِي بِاسْتِخْرَاجِ مُعَارَضَةِ الْقُرْآنِ فَاجْتَمِعُوا وَلْيُعِنْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي هَذِهِ الْمُعَارَضَةِ، فَإِذَا عَرَفْتُمْ عَجْزَكُمْ حَالَةَ الِاجْتِمَاعِ وَحَالَةَ الِانْفِرَادِ عَنْ هَذِهِ الْمُعَارَضَةِ، فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ أَنَّ تَعَذُّرَ هَذِهِ

الْمُعَارَضَةِ إِنَّمَا كَانَ لِأَنَّ قُدْرَةَ الْبَشَرِ غَيْرُ وَافِيَةٍ بِهَا، فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ فِعْلُ اللَّه لَا فِعْلُ الْبَشَرِ.

وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ بِهَذَا الَّذِي قَرَّرْنَاهُ أَنَّ مَرَاتِبَ تَحَدِّي رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقُرْآنِ سِتَّةٌ، فَأَوَّلُهَا: أَنَّهُ تَحَدَّاهُمْ بِكُلِّ الْقُرْآنِ كَمَا قَالَ: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) [الْإِسْرَاءِ: 88]

وَثَانِيهَا: أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ تَحَدَّاهُمْ بِعَشْرِ سُوَرٍ قَالَ تَعَالَى: (فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ) [هُودٍ: 13]

وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ تَحَدَّاهُمْ بِسُورَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا قَالَ: (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) [الْبَقَرَةِ: 23]

وَرَابِعُهَا: أَنَّهُ تَحَدَّاهُمْ بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ فَقَالَ: (فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ) [الطُّورِ: 34]

وَخَامِسُهَا: أَنَّ فِي تِلْكَ الْمَرَاتِبِ الْأَرْبَعَةِ، كَانَ يَطْلُبُ مِنْهُمْ أَنْ يَأْتِيَ بِالْمُعَارَضَةِ رَجُلٌ يُسَاوِي رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَدَمِ التَّلْمَذِ وَالتَّعَلُّمِ، ثُمَّ فِي سُورَةِ يُونُسَ طَلَبَ مِنْهُمْ مُعَارَضَةَ سُورَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ أَيِّ إِنْسَانٍ سَوَاءً تَعَلَّمَ الْعُلُومَ أَوْ لَمْ يَتَعَلَّمْهَا.

وَسَادِسُهَا: أَنَّ فِي الْمَرَاتِبِ الْمُتَقَدِّمَةِ تَحَدَّى كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْخَلْقِ، وَفِي هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ تَحَدَّى جَمِيعَهُمْ، وَجَوَّزَ أَنْ يَسْتَعِينَ الْبَعْضُ بِالْبَعْضِ فِي الْإِتْيَانِ بِهَذِهِ الْمُعَارَضَةِ، كَمَا قَالَ: (وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) وهاهنا آخِرُ الْمَرَاتِبِ، فَهَذَا مَجْمُوعُ الدَّلَائِلِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّه تَعَالَى فِي إِثْبَاتِ أَنَّ الْقُرْآنَ مُعْجِزٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت