إِنَّمَا قَدَّمَ وَصْفَهُمْ بِالْجَهْلِ عَلَى وَصْفِهِمْ بِالْبُخْلِ وَالْحَسَدِ لِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْقُوَّةَ النَّظَرِيَّةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْقُوَّةِ الْعَمَلِيَّةِ فِي الشَّرَفِ وَالرُّتْبَةِ وَأَصْلٌ لَهَا، فَكَانَ شَرْحُ حَالِهَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُقَدَّمًا عَلَى شَرْحِ حَالِ الْقُوَّةِ الْعَمَلِيَّةِ.
الثاني: أن السبب لحصول البخل والجسد هُوَ الْجَهْلُ، وَالسَّبَبُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُسَبَّبِ، لَا جَرَمَ قَدَّمَ تَعَالَى ذِكْرَ الْجَهْلِ عَلَى ذِكْرِ الْبُخْلِ وَالْحَسَدِ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ الْجَهْلَ سَبَبُ الْبُخْلِ وَالْحَسَدِ: أَمَّا الْبُخْلُ فَلِأَنَّ بَذْلَ الْمَالِ سَبَبٌ لِطَهَارَةِ النَّفْسِ وَلِحُصُولِ السَّعَادَةِ فِي الْآخِرَةِ، وَحَبْسُ الْمَالِ سَبَبٌ لِحُصُولِ مَالِ الدُّنْيَا فِي يَدِهِ، فَالْبُخْلُ يَدْعُوكَ إِلَى الدُّنْيَا وَيَمْنَعُكَ عَنِ الْآخِرَةِ، وَالْجُودُ يَدْعُوكَ إِلَى الْآخِرَةِ وَيَمْنَعُكَ عَنِ الدُّنْيَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ تَرْجِيحَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ مَحْضِ الْجَهْلِ.
وَأَمَّا الْحَسَدُ فَلِأَنَّ الْإِلَهِيَّةَ عِبَارَةٌ عَنْ إِيصَالِ النِّعَمِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى الْعَبِيدِ، فَمَنْ كَرِهَ ذَلِكَ فَكَأَنَّهُ أَرَادَ عَزْلَ الْإِلَهِ عَنِ الْإِلَهِيَّةِ، وَذَلِكَ مَحْضُ الْجَهْلِ.
فَثَبَتَ أَنَّ السَّبَبَ الْأَصْلِيَّ لِلْبُخْلِ وَالْحَسَدِ هُوَ الْجَهْلُ، فَلَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى الْجَهْلَ أَرْدَفَهُ بِذِكْرِ الْبُخْلِ وَالْحَسَدِ لِيَكُونَ الْمُسَبَّبُ مَذْكُورًا عَقِيبَ السَّبَبِ، فَهَذَا هُوَ الْإِشَارَةُ إِلَى نَظْمِ هذه الآية.
* إنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ بُخْلَهُمْ كَالْمَانِعِ مِنْ حُصُولِ الْمُلْكِ لَهُمْ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُلْكَ وَالْبُخْلَ لَا يَجْتَمِعَانِ، وَتَحْقِيقُ الْكَلَامِ فِيهِ مِنْ حَيْثُ الْعَقْلِ أَنَّ الِانْقِيَادَ لِلْغَيْرِ أَمْرٌ مَكْرُوهٌ لِذَاتِهِ، وَالْإِنْسَانُ لَا يَتَحَمَّلُ الْمَكْرُوهَ إِلَّا إِذَا وَجَدَ فِي مُقَابَلَتِهِ أَمْرًا مَطْلُوبًا مَرْغُوبًا فِيهِ، وَجِهَاتُ الْحَاجَاتِ مُحِيطَةٌ بِالنَّاسِ، فَإِذَا صَدَرَ مِنْ إِنْسَانٍ إِحْسَانٌ إِلَى غَيْرِهِ صَارَتْ رَغْبَةُ الْمُحْسِنِ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْمَالِ سَبَبًا لِصَيْرُورَتِهِ مُنْقَادًا مُطِيعًا لَهُ، فَلِهَذَا قِيلَ: بِالْبِرِّ يُسْتَعْبَدُ الْحُرُّ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ هَذَا بَقِيَتِ النَّفْرَةُ الطَّبِيعِيَّةُ عَنْ الِانْقِيَادِ لِلْغَيْرِ خَالِصًا عَنِ الْمُعَارِضِ، فَلَا يَحْصُلُ الِانْقِيَادُ ألْبَتَّةَ، فَثَبَتَ أَنَّ الْمُلْكَ وَالْبُخْلَ لَا يَجْتَمِعَانِ ثُمَّ إِنَّ الْمُلْكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: مُلْكٌ عَلَى الظَّوَاهِرِ فَقَطْ، وَهَذَا هُوَ مُلْكُ الْمُلُوكِ، وَمُلْكٌ عَلَى الْبَوَاطِنِ فَقَطْ، وَهَذَا هُوَ مُلْكُ الْعُلَمَاءِ، وَمُلْكٌ عَلَى الظَّوَاهِرِ وَالْبَوَاطِنِ مَعًا، وَهَذَا هُوَ مُلْكُ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّه عَلَيْهِمْ.
فَإِذَا كَانَ الْجُودُ مِنْ لَوَازِمِ الْمُلْكِ وَجَبَ فِي الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْ يَكُونُوا فِي غَايَةِ الْجُودِ وَالْكَرَمِ وَالرَّحْمَةِ وَالشَّفَقَةِ، لِيَصِيرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَخْلَاقِ سَبَبًا لِانْقِيَادِ الْخَلْقِ لَهُمْ، وَامْتِثَالِهِمْ لِأَوَامِرِهِمْ.
وَكَمَالُ هَذِهِ الصِّفَاتِ حَاصِلٌ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.