وَفِي الْآيَةِ سُؤَالَانِ الْأَوَّلُ: مَا السَّبَبُ فِي نَصْبِ وَدانِيَةً؟
الْجَوَابُ: ذَكَرَ الْأَخْفَشُ وَالْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ وَالزَّجَّاجُ فِيهِ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: الْحَالُ بِالْعَطْفِ عَلَى قَوْلِهِ: (مُتَّكِئِينَ) كَمَا تَقُولُ فِي الدَّارِ: عَبْدُ اللَّهِ مُتَّكِئًا وَمُرْسَلَةً عَلَيْهِ الْحِجَالُ، لِأَنَّهُ حَيْثُ قَالَ: (عَلَيْهِمْ) رَجَعَ إِلَى ذِكْرِهِمْ.
وَالثَّانِي: الْحَالُ بِالْعَطْفِ عَلَى مَحَلِّ: (لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا) [الإنسان: 13] وَالتَّقْدِيرُ غَيْرَ رَائِينَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَدَخَلَتِ الْوَاوُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَيْنِ يَجْتَمِعَانِ لَهُمْ، كَأَنَّهُ قِيلَ: وَجَزَاهُمْ جَنَّةً جَامِعِينَ فِيهَا بَيْنَ الْبُعْدِ عَنِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، وَدُنُوِّ الظِّلَالِ عَلَيْهِمْ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ دَانِيَةً نَعْتًا لِلْجَنَّةِ، وَالْمَعْنَى: وَجَزَاهُمْ جَنَّةً دَانِيَةً، وَعَلَى هَذَا الْجَوَابِ تَكُونُ (دَانِيَةً) صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، كَأَنَّهُ قِيلَ: وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا، وَجَنَّةً أُخْرَى دَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ وُعِدُوا جَنَّتَيْنِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ خَافُوا بِدَلِيلِ قوله: (إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا) [الإنسان: 10] وَكُلُّ مَنْ خَافَ فَلَهُ جَنَّتَانِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ) [الرَّحْمَنِ: 46]
وَقُرِئَ: (وَدانِيَةً) بالرفع على أن ظِلالُها مبتدأ وَدانِيَةً خَبَرٌ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَالْمَعْنَى: لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا وَالْحَالُ أَنَّ ظلالها دانية عليهم.
السؤال الثاني: الظلل إِنَّمَا يُوجَدُ حَيْثُ تُوجَدُ الشَّمْسُ، فَإِنْ كَانَ لَا شَمْسَ فِي الْجَنَّةِ فَكَيْفَ يَحْصُلُ الظِّلُّ هُنَاكَ؟
وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ أَشْجَارَ الْجَنَّةِ تَكُونُ بِحَيْثُ لَوْ كَانَ هُنَاكَ شَمْسٌ لَكَانَتْ تِلْكَ الْأَشْجَارُ مُظَلِّلَةً مِنْهَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا) ذَكَرُوا فِي ذُلِّلَتْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ذُلِّلَتْ أُدْنِيَتْ مِنْهُمْ مِنْ قَوْلِهِمْ: حَائِطٌ ذَلِيلٌ إِذَا كَانَ قَصِيرَ السَّمْكِ والثاني: ظللت أَيْ جُعِلَتْ مُنْقَادَةً وَلَا تَمْتَنِعُ عَلَى قُطَّافِهَا كَيْفَ شَاءُوا.
قَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ: ذُلِّلَتْ لَهُمْ فَهُمْ يَتَنَاوَلُونَ مِنْهَا كَيْفَ شَاءُوا، فَمَنْ أَكَلَ قَائِمًا لَمْ يُؤْذِهِ وَمَنْ أَكَلَ جَالِسًا لم يؤده ومن أكل مضطجعا لم يؤذه.