(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ...(54)
وَلَنَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَقَامَاتٌ:
الْمَقَامُ الْأَوَّلُ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مِنْ أَدَلِّ الدَّلَائِلِ عَلَى فَسَادِ مَذْهَبِ الْإِمَامِيَّةِ مِنَ الرَّوَافِضِ، وَتَقْرِيرُ مَذْهَبِهِمْ أَنَّ الَّذِينَ أَقَرُّوا بِخِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَإِمَامَتِهِ كُلَّهُمْ كَفَرُوا وَصَارُوا مُرْتَدِّينَ، لِأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا النَّصَّ الْجَلِيَّ عَلَى إمامة علي عليه السلام فَنَقُولُ: «لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَجَاءَ اللَّه تَعَالَى بِقَوْمٍ يُحَارِبُهُمْ وَيَقْهَرُهُمْ وَيَرُدُّهُمْ إِلَى الدِّينِ الْحَقِّ» بِدَلِيلِ قَوْلِهِ (مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.
وَكَلِمَةُ (مَنْ) فِي مَعْرِضِ الشَّرْطِ لِلْعُمُومِ، فَهِيَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ صَارَ مُرْتَدًّا عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّ اللَّه يَأْتِي بِقَوْمٍ يَقْهَرُهُمْ وَيَرُدُّهُمْ وَيُبْطِلُ شَوْكَتَهُمْ، فَلَوْ كَانَ الَّذِينَ نصبوا أبا بكر للخلافة لَوَجَبَ بِحُكْمِ الْآيَةِ أَنْ يَأْتِيَ اللَّه بِقَوْمٍ يَقْهَرُهُمْ وَيُبْطِلُ مَذْهَبَهُمْ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلِ الْأَمْرُ بِالضِّدِّ فَإِنَّ الرَّوَافِضَ هُمُ الْمَقْهُورُونَ الْمَمْنُوعُونَ عَنْ إِظْهَارِ مَقَالَاتِهِمُ الْبَاطِلَةِ أَبَدًا مُنْذُ كَانُوا عَلِمْنَا فَسَادَ مَقَالَتِهِمْ وَمَذْهَبِهِمْ، وَهَذَا كَلَامٌ ظَاهِرٌ لِمَنْ أَنْصَفَ.
الْمَقَامُ الثَّانِي: أَنَّا نَدَّعِي أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ يَجِبُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي حَقِّ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ وَجْهَانِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مُخْتَصَّةٌ بِمُحَارَبَةِ الْمُرْتَدِّينَ، وَأَبُو بَكْرٍ هُوَ الَّذِي تَوَلَّى مُحَارَبَةَ الْمُرْتَدِّينَ عَلَى مَا شَرَحْنَا، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ هُوَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَّفِقْ لَهُ مُحَارَبَةُ الْمُرْتَدِّينَ، وَلِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ) وَهَذَا لِلِاسْتِقْبَالِ لَا لِلْحَالِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ غَيْرَ مَوْجُودِينَ فِي وَقْتِ نُزُولِ هَذَا الْخِطَابِ.
«فَإِنْ قِيلَ» : هذا لازم عَلَيْكُمْ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ كَانَ مَوْجُودًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ؟
قُلْنَا: الْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْقَوْمَ الَّذِينَ قَاتَلَ بِهِمْ أَبُو بَكْرٍ أَهْلَ الرِّدَّةِ مَا كَانُوا مَوْجُودِينَ فِي الْحَالِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّه بِقَوْمٍ قَادِرِينَ مُتَمَكِّنِينَ مِنْ هَذَا الْحِرَابِ، وَأَبُو بَكْرٍ وَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إِلَّا أَنَّهُ مَا كَانَ مُسْتَقِلًّا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِالْحِرَابِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، فَزَالَ السُّؤَالُ، فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ هُوَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَلَا يُمْكِنُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ هُوَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، لِأَنَّ عَلِيًّا لَمْ يَتَّفِقْ لَهُ قِتَالٌ مَعَ أَهْلِ الرِّدَّةِ، فَكَيْفَ تُحْمَلُ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَيْهِ.
فَإِنْ قَالُوا: بَلْ كَانَ قِتَالُهُ مَعَ أَهْلِ الرِّدَّةِ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ نَازَعَهُ فِي الْإِمَامَةِ كَانَ مُرْتَدًّا؟
قُلْنَا: هَذَا بَاطِلٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ اسْمَ الْمُرْتَدِّ إِنَّمَا يَتَنَاوَلُ مَنْ كَانَ تَارِكًا لِلشَّرَائِعِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَالْقَوْمُ الَّذِينَ نَازَعُوا عَلِيًّا مَا كَانُوا كَذَلِكَ فِي الظَّاهِرِ، وَمَا كَانَ أَحَدٌ يَقُولُ: إِنَّهُ إِنَّمَا يُحَارِبُهُمْ لِأَجْلِ أَنَّهُمْ خَرَجُوا عَنِ الْإِسْلَامِ، وَعَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يُسَمِّهِمْ أَلْبَتَّةَ بِالْمُرْتَدِّينَ، فَهَذَا الَّذِي يَقُولُهُ هَؤُلَاءِ الرَّوَافِضُ لَعَنَهُمُ اللَّه بُهْتٌ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَعَلَى عَلِيٍّ أَيْضًا.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ كُلُّ مَنْ نَازَعَهُ فِي الْإِمَامَةِ كَانَ مُرْتَدًّا لَزِمَ فِي أَبِي بَكْرٍ وَفِي قَوْمِهِ أَنْ يَكُونُوا مُرْتَدِّينَ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ بِحُكْمِ ظَاهِرِ الْآيَةِ أَنْ يَأْتِيَ اللَّه بِقَوْمٍ يَقْهَرُونَهُمْ وَيَرُدُّونَهُمْ إِلَى الدِّينِ الصَّحِيحِ، وَلَمَّا لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ أَلْبَتَّةَ عَلِمْنَا أَنَّ مُنَازَعَةَ عَلِيٍّ فِي الْإِمَامَةِ لَا تَكُونُ رِدَّةً، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ رِدَّةً لَمْ يُمْكِنْ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى عَلِيٍّ، لِأَنَّهَا نَازِلَةٌ فِيمَنْ يُحَارِبُ الْمُرْتَدِّينَ، وَلَا يُمْكِنُ أَيْضًا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهَا نَازِلَةٌ فِي أَهْلِ الْيَمَنِ أَوْ فِي أَهْلِ فَارِسَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَتَّفِقْ لَهُمْ مُحَارَبَةٌ مَعَ الْمُرْتَدِّينَ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يُقَالَ: اتَّفَقَتْ لَهُمْ هَذِهِ الْمُحَارَبَةُ وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا رَعِيَّةً وَأَتْبَاعًا وَأَذْنَابًا، وَكَانَ الرَّئِيسُ الْمُطَاعُ الْآمِرُ فِي تِلْكَ الْوَاقِعَةِ هُوَ أَبُو بَكْرٍ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ حَمْلَ الْآيَةِ عَلَى مَنْ كَانَ أَصْلًا فِي هَذِهِ الْعِبَادَةِ وَرَئِيسًا مُطَاعًا فِيهَا أَوْلَى مِنْ حَمْلِهَا عَلَى الرَّعِيَّةِ وَالْأَتْبَاعِ وَالْأَذْنَابِ، فَظَهَرَ بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الدَّلِيلِ الظَّاهِرِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مُخْتَصَّةٌ بِأَبِي بَكْرٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي فِي بَيَانِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مُخْتَصَّةٌ بِأَبِي بَكْرٍ: هُوَ أَنَّا نَقُولُ: هَبْ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ قَدْ حَارَبَ الْمُرْتَدِّينَ، وَلَكِنَّ مُحَارَبَةَ أَبِي بَكْرٍ مَعَ الْمُرْتَدِّينَ كَانَتْ أَعْلَى حَالًا وَأَكْثَرَ مَوْقِعًا فِي الْإِسْلَامِ مِنْ مُحَارَبَةِ عَلِيٍّ مَعَ مَنْ خَالَفَهُ فِي الْإِمَامَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ عُلِمَ بِالتَّوَاتُرِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا تُوُفِّيَ اضْطَرَبَتِ الْأَعْرَابُ وَتَمَرَّدُوا، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ هُوَ الَّذِي قَهَرَ مُسَيْلِمَةَ وَطُلَيْحَةَ، وَهُوَ الَّذِي حَارَبَ الطَّوَائِفَ السَّبْعَةَ الْمُرْتَدِّينَ، وَهُوَ الَّذِي حَارَبَ مَانِعِيِ الزَّكَاةِ، وَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ اسْتَقَرَّ الْإِسْلَامُ وَعَظُمَتْ شَوْكَتُهُ وَانْبَسَطَتْ دَوْلَتُهُ.
أَمَّا لَمَّا انْتَهَى الْأَمْرُ إِلَى عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَكَانَ الْإِسْلَامُ قَدِ انْبَسَطَ فِي الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ، وَصَارَ مُلُوكُ الدُّنْيَا مَقْهُورِينَ، وَصَارَ الْإِسْلَامُ مُسْتَوْلِيًا عَلَى جَمِيعِ الْأَدْيَانِ وَالْمِلَلِ، فَثَبَتَ أَنَّ مُحَارَبَةَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَعْظَمُ تَأْثِيرًا فِي نُصْرَةِ الْإِسْلَامِ وَتَقْوِيَتِهِ مِنْ مُحَارَبَةِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ تَعْظِيمُ قَوْمٍ يَسْعَوْنَ فِي تَقْوِيَةِ الدِّينِ وَنُصْرَةِ الْإِسْلَامِ، وَلَمَّا كَانَ أَبُو بَكْرٍ هُوَ الْمُتَوَلِّي لِذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ.
الْمَقَامُ الثَّالِثُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: وَهُوَ أَنَّا نَدَّعِي دَلَالَةَ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى صِحَّةِ إِمَامَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مُخْتَصَّةٌ بِهِ فَنَقُولُ: إِنَّهُ تَعَالَى وَصَفَ الَّذِينَ أَرَادَهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ بِصِفَاتٍ: أَوَّلُهَا: أَنَّهُ (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) .
فَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْآيَةِ هُوَ أَبُو بَكْرٍ ثَبَتَ أَنَّ قَوْلَهُ (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) وَصْفٌ لِأَبِي بَكْرٍ، وَمَنْ وَصَفَهُ اللَّه تَعَالَى بِذَلِكَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ ظَالِمًا، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُحِقًّا فِي إِمَامَتِهِ.
وَثَانِيهَا: قَوْلُهُ (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ) وَهُوَ صفة أبي بكر أيضا الدليل الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَيُؤَكِّدُهُ مَا رُوِيَ فِي الْخَبَرِ الْمُسْتَفِيضِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ: «أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ»
فَكَانَ مَوْصُوفًا بِالرَّحْمَةِ وَالشَّفَقَةِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَبِالشِّدَّةِ مَعَ الْكُفَّارِ، أَلَا تَرَى أَنَّ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ حِينَ كَانَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَكَّةَ وَكَانَ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ كَيْفَ كَانَ يَذُبُّ عَنِ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَكَيْفَ كَانَ يُلَازِمُهُ وَيَخْدِمُهُ، وَمَا كَانَ يُبَالِي بِأَحَدٍ مِنْ جَبَابِرَةِ الْكُفَّارِ وَشَيَاطِينِهِمْ، وَفِي آخِرِ الْأَمْرِ أَعْنِي وَقْتَ خِلَافَتِهِ كَيْفَ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى قَوْلِ أَحَدٍ، وَأَصَرَّ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْمُحَارَبَةِ مَعَ مَانِعِيِ الزَّكَاةِ حَتَّى آلَ الْأَمْرُ إِلَى أَنْ خَرَجَ إِلَى قِتَالِ الْقَوْمِ وَحْدَهُ، حَتَّى جَاءَ أَكَابِرُ الصَّحَابَةِ وَتَضَرَّعُوا إِلَيْهِ وَمَنَعُوهُ مِنَ الذَّهَابِ، ثُمَّ لَمَّا بَلَغَ بَعْثُ الْعَسْكَرِ إِلَيْهِمُ انْهَزَمُوا وَجَعَلَ اللَّه تَعَالَى ذَلِكَ مَبْدَأً لِدَوْلَةِ الْإِسْلَامِ، فَكَانَ قَوْلُهُ (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ) لَا يَلِيقُ إِلَّا بِهِ.
وَثَالِثُهَا: قَوْلُهُ (يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ) فَهَذَا مُشْتَرَكٌ فِيهِ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ، إِلَّا أَنَّ حَظَّ أَبِي بَكْرٍ فِيهِ أَتَمُّ وَأَكْمَلُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مُجَاهَدَةَ أَبِي بَكْرٍ مَعَ الْكُفَّارِ كَانَتْ فِي أَوَّلِ الْبَعْثِ، وَهُنَاكَ الْإِسْلَامُ كَانَ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ، وَالْكُفْرُ كَانَ فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ، وَكَانَ يُجَاهِدُ الْكُفَّارَ بِمِقْدَارِ قُدْرَتِهِ، وَيَذُبُّ عَنْ رَسُولِ اللَّه بِغَايَةِ وُسْعِهِ، وَأَمَّا عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَإِنَّهُ إِنَّمَا شَرَعَ فِي الْجِهَادِ يَوْمَ بَدْرٍ وَأُحُدٍ، وَفِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَ الْإِسْلَامُ قَوِيًّا وَكَانَتِ الْعَسَاكِرُ مُجْتَمِعَةً، فَثَبَتَ أَنَّ جِهَادَ أَبِي بَكْرٍ كَانَ أَكْمَلَ مِنْ جِهَادِ عَلِيٍّ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ كَانَ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ فِي الزَّمَانِ، فَكَانَ أَفْضَلَ لِقوله تَعَالَى: (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ) [الْحَدِيدِ: 10]
وَالثَّانِي: أَنَّ جِهَادَ أَبِي بَكْرٍ كَانَ فِي وَقْتِ ضَعْفِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَجِهَادَ عَلِيٍّ كَانَ فِي وَقْتِ الْقُوَّةِ،
وَرَابِعُهَا: قَوْلُهُ (ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ) وَهَذَا لَائِقٌ بِأَبِي بَكْرٍ لِأَنَّهُ مُتَأَكِّدٌ بِقَوْلِهِ تعالى: (وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ) [النُّورِ: 22] وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِي أَبِي بَكْرٍ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الصِّفَاتِ لِأَبِي بَكْرٍ أَنَّا بَيَّنَّا بِالدَّلِيلِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ فِي أَبِي بَكْرٍ، وَمَتَى كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ كَانَتْ هَذِهِ الصِّفَاتُ لَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ لِأَبِي بَكْرٍ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا وَجَبَ الْقَطْعُ بِصِحَّةِ إِمَامَتِهِ، إِذْ لَوْ كَانَتْ إِمَامَتُهُ بَاطِلَةً لَمَا كَانَتْ هَذِهِ الصِّفَاتُ لَائِقَةً بِهِ.
«فَإِنْ قِيلَ» : لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ كَانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَاتِ حَالَ حَيَاةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ بَعْدَ وَفَاتِهِ لَمَّا شَرَعَ فِي الْإِمَامَةِ زَالَتْ هَذِهِ الصِّفَاتُ وَبَطَلَتْ؟
قُلْنَا: هَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) فَأَثْبَتَ كَوْنَهُمْ مَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ حَالَ إِتْيَانِ اللَّه بِهِمْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى شَهَادَةِ اللَّه لَهُ بِكَوْنِهِ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَاتِ حَالَ مُحَارَبَتِهِ مَعَ أَهْلِ الرِّدَّةِ، وَذَلِكَ هُوَ حَالُ إِمَامَتِهِ، فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا دَلَالَةُ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى صِحَّةِ إِمَامَتِهِ، أَمَّا قَوْلُ الرَّوَافِضِ لَعَنَهُمُ اللَّه: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِي حَقِّ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ بِدَلِيلِ
أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يوم خيبر: «لأعطيين الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبُّ اللَّه وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّه وَرَسُولُهُ»
وَكَانَ ذَلِكَ هُوَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَنَقُولُ: هَذَا الْخَبَرُ مِنْ بَابِ الْآحَادِ، وَعِنْدَهُمْ لَا يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِهِ فِي الْعَمَلِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِهِ فِي الْعِلْمِ، وَأَيْضًا أَنَّ إِثْبَاتَ هَذِهِ الصِّفَةِ
لِعَلِيٍّ لَا يُوجِبُ انْتِفَاءَهَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَدُلَّ عَلَى ذَلِكَ لَكِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ ذَلِكَ الْمَجْمُوعِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَمِنْ جُمْلَةِ تِلْكَ الصِّفَاتِ كَوْنُهُ كَرَّارًا غَيْرَ فَرَّارٍ، فَلَمَّا انْتَفَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ لَمْ يَحْصُلْ مَجْمُوعُ تِلْكَ الصِّفَاتِ لَهُ، فَكَفَى هَذَا فِي الْعَمَلِ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ، فَأَمَّا انْتِفَاءُ جَمِيعِ تِلْكَ الصِّفَاتِ فَلَا دَلَالَةَ فِي اللَّفْظِ عَلَيْهِ، فَهُوَ تَعَالَى إِنَّمَا أَثْبَتَ هَذِهِ الصِّفَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ حَالَ اشْتِغَالِهِ بِمُحَارَبَةِ الْمُرْتَدِّينَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهَبْ أَنَّ تِلْكَ الصِّفَةَ مَا كَانَتْ حَاصِلَةً فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِنْ حُصُولِهَا فِي الزَّمَانِ الْمُسْتَقْبَلِ، وَلِأَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ تَمَسُّكٌ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ، وَمَا ذَكَرُوهُ تَمَسُّكٌ بِالْخَبَرِ الْمَذْكُورِ الْمَنْقُولِ بِالْآحَادِ، وَلِأَنَّهُ مُعَارَضٌ بِالْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى كَوْنِ أَبِي بَكْرٍ مُحِبًّا للَّه وَلِرَسُولِهِ.
وَكَوْنِ اللَّه مُحِبًّا لَهُ وَرَاضِيًا عَنْهُ.
قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ أَبِي بَكْرٍ (وَلَسَوْفَ يَرْضى) [اللَّيْلِ: 21]
وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إِنَّ اللَّه يَتَجَلَّى لِلنَّاسِ عَامَّةً وَيَتَجَلَّى لِأَبِي بَكْرٍ خَاصَّةً»
وَقَالَ: «مَا صَبَّ اللَّه شَيْئًا فِي صَدْرِي إِلَّا وَصَبَّهُ فِي صَدْرِ أَبِي بَكْرٍ»
وَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ اللَّه وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّه وَرَسُولُهُ.
وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُهُمْ: الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ دَالَّةٌ عَلَى إِمَامَةِ عَلِيٍّ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْآيَةُ نَازِلَةً فِي عَلِيٍّ، فَجَوَابُنَا: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ دَلَالَةَ الْآيَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى إِمَامَةِ عَلِيٍّ وَسَنَذْكُرُ الْكَلَامَ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى، فَهَذَا مَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنَ الْبَحْثِ واللَّه أَعْلَمُ.