فِي الْآيَةِ أَبْحَاثٌ نَذْكُرُهَا فِي مَعْرِضِ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ.
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: مَا السَّبَبُ فِي عَطْفِ هذه الآية بالفاء هاهنا، وَعَطْفِ مِثْلِهَا فِي أَوَّلِ السُّورَةِ بِالْوَاوِ؟
وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ تَعَالَى حَكَى عَنْهُمْ قَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُمْ يَشْمَئِزُّونَ مِنْ سَمَاعِ التَّوْحِيدِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِسَمَاعِ ذِكْرِ الشُّرَكَاءِ، ثُمَّ ذَكَرَ بِفَاءِ التَّعْقِيبِ أنهم إذا وقعوا في الضر والبلاء والتجأوا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ، كَانَ الْفِعْلُ الْأَوَّلُ مناقضا للفعل الثاني، فذكر فاء التعقيب ليدل على أنهم واقعون في المناقضة الصريحة في الحال، وأنه ليس بين الأول والثاني فاصل مع أن كل واحد منهما مناقض للثاني، فَهَذَا هُوَ الْفَائِدَةُ فِي ذِكْرِ فَاءِ التَّعْقِيبِ هاهنا.
فَأَمَّا الْآيَةُ الْأُولَى فَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا بَيَانَ وُقُوعِهِمْ فِي التَّنَاقُضِ فِي الْحَالِ، فَلَا جَرَمَ ذُكِرَ اللَّهُ بِحَرْفِ الْوَاوِ لَا بِحَرْفِ الْفَاءِ.
السُّؤَالُ الثَّانِي: مَا مَعْنَى التَّخْوِيلِ؟
الْجَوَابُ: التَّخْوِيلُ هُوَ التَّفَضُّلُ، يَعْنِي نَحْنُ نَتَفَضَّلُ عَلَيْهِ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ إِنَّمَا وَجَدَهُ بِالِاسْتِحْقَاقِ.
السُّؤَالُ الثَّالِثُ: مَا الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: (إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ) ؟
الْجَوَابُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ، إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ بِكَوْنِي مُسْتَحِقًّا لِذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ، إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمِي بِكَوْنِي مُسْتَحِقًّا لَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ، إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ لِأَجْلِ ذَلِكَ الْعِلْمِ قَدِرْتُ عَلَى اكْتِسَابِهِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ مَرِيضًا فَيُعَالِجَ نَفْسَهُ، فَيَقُولُ إِنَّمَا وَجَدْتُ الصِّحَّةَ لِعِلْمِي بِكَيْفِيَّةِ الْعِلَاجِ، وَإِنَّمَا وَجَدْتُ الْمَالَ لِعِلْمِي بِكَيْفِيَّةِ الْكَسْبِ.
السُّؤَالُ الرَّابِعُ: النِّعْمَةُ مُؤَنَّثَةٌ، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: (أُوتِيتُهُ) عَائِدٌ عَلَى النِّعْمَةِ، فَضَمِيرُ التَّذْكِيرِ كَيْفَ عَادَ إِلَى الْمُؤَنَّثِ، بَلْ قَالَ بَعْدَهُ: بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ فَجُعِلَ الضَّمِيرُ مُؤَنَّثًا فَمَا السَّبَبُ فِيهِ؟
وَالْجَوَابُ: أَنَّ التَّقْدِيرَ حَتَّى إِذَا خَوَّلْنَاهُ شَيْئًا مِنَ النِّعْمَةِ، فَلَفْظُ النِّعْمَةِ مُؤَنَّثٌ وَمَعْنَاهُ مُذَكَّرٌ، فَلَا جَرَمَ جَازَ الْأَمْرَانِ.