رَاعَى سُنَّةَ اللَّهِ فِي إِخْفَاءِ دَعْوَتِهِ لِأَنَّ الْجَهْرَ وَالْإِخْفَاءَ عِنْدَ اللَّهِ سِيَّانِ فَكَانَ الْإِخْفَاءُ أَوْلَى لِأَنَّهُ أَبْعَدُ عَنِ الرِّيَاءِ وَأَدْخَلُ فِي الْإِخْلَاصِ.
وَثَانِيهَا: أَخْفَاهُ لِئَلَّا يُلَامَ عَلَى طَلَبِ الْوَلَدِ فِي زَمَانِ الشَّيْخُوخَةِ.
وَثَالِثُهَا: أَسَرَّهُ مِنْ مَوَالِيهِ الَّذِينَ خَافَهُمْ.
وَرَابِعُهَا: خَفِيَ صَوْتُهُ لِضَعْفِهِ وَهَرَمِهِ كَمَا جَاءَ فِي صِفَةِ الشَّيْخِ صَوْتُهُ خُفَاتٌ وَسَمْعُهُ تَارَاتٌ.
«فَإِنْ قِيلَ» : مِنْ شَرْطِ النِّدَاءِ الْجَهْرُ فَكَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَ كَوْنِهِ نِدَاءً وَخَفِيًّا؟
وَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ أَتَى بِأَقْصَى مَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ رَفْعِ الصَّوْتِ إِلَّا أَنَّ الصَّوْتَ كَانَ ضَعِيفًا لِنِهَايَةِ الضَّعْفِ بِسَبَبِ الْكِبَرِ فَكَانَ نِدَاءً نَظَرًا إِلَى قَصْدِهِ وَخَفِيًّا نَظَرًا إِلَى الْوَاقِعِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ دَعَا فِي الصَّلَاةِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجَابَهُ فِي الصَّلَاةِ لِقوله تَعَالَى: (فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى) [آلِ عِمْرَانَ: 39]
فَكَوْنُ الْإِجَابَةِ فِي الصَّلَاةِ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ النِّدَاءُ فيها خفيا.