فِيهِ سُؤَالٌ، وَهُوَ أَنَّ أُولَئِكَ الْأَقْوَامَ تَابَ اللَّه عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ أَنَّهُمْ قَتَلُوا أَنْفُسَهُمْ فِي مَعْرِضِ التَّوْبَةِ عَنْ ذَلِكَ الذَّنْبِ، وَإِذَا تَابَ اللَّه عَلَيْهِمْ فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: فِي حَقِّهِمْ إِنَّهُ (سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) ؟
وَالْجَوَابُ عَنْهُ: أَنَّ ذَلِكَ الْغَضَبَ إِنَّمَا حَصَلَ فِي الدُّنْيَا لَا فِي الْآخِرَةِ، وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ الْغَضَبِ هُوَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَمَرَهُمْ بِقَتْلِ أَنْفُسِهِمْ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: (وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) هُوَ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا فَذَلُّوا.
فَإِنْ قَالُوا: السِّينُ فِي قَوْلِهِ: (سَيَنالُهُمْ) لِلِاسْتِقْبَالِ، فَكَيْفَ يُحْمَلُ هَذَا عَلَى حُكْمِ الدُّنْيَا؟
قُلْنَا: هَذَا الْكَلَامُ حِكَايَةٌ عَمَّا أَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى بِهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ أَخْبَرَهُ بافتتان قَوْمِهِ وَاتِّخَاذِهِمُ الْعِجْلَ، فَأَخْبَرَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إنه سينالهم غضب من ربهم وذلة في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَكَانَ هَذَا الْكَلَامُ سَابِقًا عَلَى وُقُوعِهِمْ فِي الْقَتْلِ وَفِي الذِّلَّةِ، فَصَحَّ هَذَا التَّأْوِيلُ مِنْ هَذَا الِاعْتِبَارِ.