فهرس الكتاب

الصفحة 219 من 2716

قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً)

كَلِمَةُ «أَوْ» لِلتَّرْدِيدِ وَهِيَ لَا تَلِيقُ بِعَلَّامِ الْغُيُوبِ، فَلَا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ وَهُوَ وُجُوهٌ.

أَحَدُهَا: أَنَّهَا بِمَعْنَى الْوَاوِ كَقوله تَعَالَى: (إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ) [الصَّافَّاتِ: 147] بِمَعْنَى وَيَزِيدُونَ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ) [النُّورِ: 31] وَالْمَعْنَى وَآبَائِهِنَّ وَكَقَوْلِهِ: (أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ) [النُّورِ: 61] يَعْنِي وَبُيُوتَ آبَائِكُمْ.

وَمِنْ نَظَائِرِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى) [طَهَ: 44] ، (فَالْمُلْقِياتِ ذِكْرًا عُذْرًا أَوْ نُذْرًا) [الْمُرْسَلَاتِ: 5، 6] .

وَثَانِيهَا: أَنَّهُ تَعَالَى أَرَادَ أَنْ يُبْهِمَهُ عَلَى الْعِبَادِ فَقَالَ ذَلِكَ كما يَقُولُ الْمَرْءُ لِغَيْرِهِ: أَكَلْتُ خُبْزًا أَوْ تَمْرًا وَهُوَ لَا يَشُكُّ أَنَّهُ أَكَلَ أَحَدَهُمَا إِذَا أراد أن يُبَيِّنَهُ لِصَاحِبِهِ.

وَثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ فَهِيَ كالحجارة، ومنها ما هو أَشَدُّ قَسْوَةً مِنَ الْحِجَارَةِ.

وَرَابِعُهَا: أَنَّ الْآدَمِيِّينَ إِذَا اطَّلَعُوا عَلَى أَحْوَالِ قُلُوبِهِمْ قَالُوا: إِنَّهَا كَالْحِجَارَةِ أَوْ هِيَ أَشَدُّ قَسْوَةً مِنَ الْحِجَارَةِ وَهُوَ الْمُرَادُ فِي قَوْلِهِ: (فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى) [النَّجْمِ: 9] أَيْ فِي نَظَرِكُمْ وَاعْتِقَادِكُمْ.

وَخَامِسُهَا: أَنَّ كَلِمَةَ «أَوْ» بِمَعْنَى (بَلْ) وَأَنْشَدُوا:

فو الله مَا أَدْرِي أَسَلْمَى تَغَوَّلَتْ ... أَمِ الْقَوْمُ أَوْ كُلٌّ إِلَيَّ حَبِيبُ

قَالُوا: أَرَادَ بَلْ كُلٌّ.

وَسَادِسُهَا: أَنَّهُ عَلَى حَدِّ قَوْلِكَ: مَا آكُلُ إِلَّا حُلْوًا أَوْ حَامِضًا أَيْ طَعَامِي لَا يَخْرُجُ عَنْ هَذَيْنِ، بَلْ يَتَرَدَّدُ عَلَيْهِمَا، وَبِالْجُمْلَةِ: فَلَيْسَ الْغَرَضُ إِيقَاعَ التَّرَدُّدِ بَيْنَهُمَا، بَلْ نَفْيَ غَيْرِهِمَا.

وَسَابِعُهَا: أَنَّ «أَوْ» حَرْفُ إِبَاحَةٍ كَأَنَّهُ قِيلَ بِأَيِّ هَذَيْنِ شَبَّهْتَ قُلُوبَهُمْ كَانَ صِدْقًا كَقَوْلِكَ: جَالِسِ الْحَسَنَ أَوِ ابْنَ سِيرِينَ أَيْ أَيَّهُمَا جَالَسْتَ كُنْتَ مُصِيبًا وَلَوْ جَالَسْتَهُمَا مَعًا كُنْتَ مُصِيبًا أَيْضًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت