قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) فِيهِ وُجُوهٌ:
قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ هَذِهِ تسلية للنبي صلى الله عليه وآله وَسَلَّمَ عَنِ الْحُزْنِ حَيْثُ لَمْ يُؤْمِنْ قَوْمُهُ فَقَالَ
لِلشَّقَاوَةِ وَمَنْ كُتِبَ شَقِيًّا لَا يَسْعَدُ، وَقِيلَ: (لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) أَيِ الْوَحْدَانِيَّةُ مُتَرَسِّخَةٌ فِيهِمْ لَا تَغَيُّرَ لَهَا حَتَّى إِنْ سَأَلْتَهُمْ من خلق السماوات وَالْأَرْضَ يَقُولُونَ اللَّهُ، لَكِنَّ الْإِيمَانَ الْفِطْرِيَّ غَيْرُ كَافٍ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ لِعِبَادَتِهِ وَهُمْ كُلُّهُمْ عَبِيدُهُ (لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) أَيْ لَيْسَ كَوْنُهُمْ عَبِيدًا مِثْلَ كَوْنِ الْمَمْلُوكِ عَبْدًا لِإِنْسَانٍ فَإِنَّهُ يَنْتَقِلُ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ وَيَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ بِالْعِتْقِ بَلْ لَا خُرُوجَ لِلْخَلْقِ عَنِ الْعِبَادَةِ وَالْعُبُودِيَّةِ، وَهَذَا لِبَيَانِ فَسَادِ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ الْعِبَادَةُ لِتَحْصِيلِ الْكَمَالِ وَالْعَبْدُ يَكْمُلُ بِالْعِبَادَةِ فَلَا يَبْقَى عَلَيْهِ تَكْلِيفٌ، وَقَوْلُ الْمُشْرِكِينَ: إِنَّ النَّاقِصَ لَا يَصْلُحُ لِعِبَادَةِ اللَّهِ، وَإِنَّمَا الْإِنْسَانُ عَبَدَ الْكَوَاكِبَ وَالْكَوَاكِبُ عَبِيدُ اللَّهِ، وَقَوْلُ النَّصَارَى إِنَّ عِيسَى كَانَ يَحِلُّ اللَّهُ فِيهِ وَصَارَ إِلَهًا فَقَالَ: (لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) بَلْ كُلُّهُمْ عَبِيدٌ لَا خُرُوجَ لَهُمْ عَنْ ذَلِكَ.