لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالِاسْتِئْذَانِ وَعَدَمِ النَّظَرِ إِلَى وُجُوهِ نِسَائِهِ احْتِرَامًا كَمَّلَ بَيَانَ حُرْمَتِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ حَالَتَهُ مُنْحَصِرَةٌ فِي اثْنَتَيْنِ حَالَةَ خَلْوَتِهِ، وَذَكَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى احْتِرَامِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ بِقَوْلِهِ لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ وَحَالَةَ يَكُونُ فِي مَلَأٍ.
وَالْمَلَأُ إِمَّا الْمَلَأُ الْأَعْلَى، وَإِمَّا الْمَلَأُ الْأَدْنَى، أَمَّا فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى فَهُوَ مُحْتَرَمٌ، فَإِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا فِي الْمَلَأِ الْأَدْنَى فذلك واجب الاحترام بقوله تَعَالَى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)
(مسألة)
إِذَا صَلَّى اللَّهُ وَمَلَائِكَتُهُ عَلَيْهِ فَأَيُّ حَاجَةٍ إِلَى صَلَاتِنَا؟
نَقُولُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ لَيْسَ لِحَاجَتِهِ إِلَيْهَا وَإِلَّا فَلَا حَاجَةَ إِلَى صَلَاةِ الْمَلَائِكَةِ مَعَ صَلَاةِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِإِظْهَارِ تَعْظِيمِهِ، كَمَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ عَلَيْنَا ذِكْرَ نَفْسِهِ وَلَا حَاجَةَ لَهُ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِإِظْهَارِ تَعْظِيمِهِ مِنَّا شَفَقَةً عَلَيْنَا لِيُثِيبَنَا عَلَيْهِ، وَلِهَذَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ مَرَّةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا» .
* لَمْ يَتْرُكِ اللَّهُ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ تَحْتَ مِنَّةِ أُمِّتِهِ بِالصَّلَاةِ حَتَّى عَوَّضَهُمْ مِنْهُ بِأَمْرِهِ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْأُمَّةِ حَيْثُ قَالَ: (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ) [التَّوْبَةِ: 103] .
وَقَوْلُهُ: (وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)
وَذَكَرَ الْمَصْدَرَ لِلتَّأْكِيدِ لِيُكْمِلَ السَّلَامَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُؤَكِّدِ الصَّلَاةَ بِهَذَا التَّأْكِيدِ لِأَنَّهَا كَانَتْ مُؤَكَّدَةً بِقَوْلِهِ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ) .