* لَوْ قَالَ قَائِلٌ: لَوْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ يَقُولُونَ: يَا وَيْلَنَا كَانَ أَلْيَقَ؟
نَقُولُ مَعَاذَ اللَّهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ: (فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ) [يس: 51] عَلَى مَا ذَكَرْنَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ تَعَالَى فِي أَسْرَعِ زَمَانٍ يَجْمَعُ أَجَزَاءَهُمْ وَيُؤَلِّفُهَا وَيُحْيِيهَا وَيُحَرِّكُهَا، بِحَيْثُ يَقَعُ نَسَلَانُهُمْ فِي وَقْتِ النَّفْخِ، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ لَا بُدَّ لَهُ مِنَ الْجَمْعِ وَالتَّأْلِيفِ، فَلَوْ قَالَ يَقُولُونَ، لَكَانَ ذَلِكَ مِثْلَ الْحَالِ لِيَنْسِلُونَ، أَيْ يَنْسِلُونَ قَائِلِينَ يَا وَيْلَنَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ قَوْلَهُمْ (يَاوَيْلَنَا) قَبْلَ أَنْ يَنْسِلُوا، وَإِنَّمَا ذَكَرَ النَّسَلَانَ لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْفَوَائِدِ.
* لَوْ قَالَ قَائِلٌ: قَدْ عَرَفْنَا مَعْنَى النِّدَاءِ فِي مِثْلِ يَا حَسْرَةً وَيَا حَسْرَتَا وَيَا وَيْلَنَا، وَلَكِنْ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِهِمْ وَقَوْلِ اللَّهِ حَيْثُ قال: (ياحَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ) [يس: 30] مِنْ غَيْرِ إِضَافَةٍ، وَقَالُوا: يَا حَسْرَتَى وَيَا حَسْرَتَنَا وَيَا وَيْلَنَا؟
نَقُولُ حَيْثُ كَانَ الْقَائِلُ هُوَ الْمُكَلَّفَ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ عِلْمٌ إِلَّا بِحَالَةٍ أَوْ بِحَالٍ مِنْ قُرْبٍ مِنْهُ، فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مَشْغُولًا بِنَفْسِهِ، فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ يَقُولُ: يَا حَسْرَتَنَا وَيَا ويلنا، فقوله: (قالُوا يا وَيْلَنا) أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ قَالَ يَا وَيْلِي، وَأَمَّا حَيْثُ قَالَ اللَّهُ قَالَ عَلَى سَبِيلِ الْعُمُومِ لِشُمُولِ عِلْمِهِ بِحَالِهِمْ.
* مَا وَجْهُ تعلق: (مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا) بقولهم: (يا وَيْلَنا) ؟
نَقُولُ لَمَّا بُعِثُوا تَذَكَّرُوا مَا كَانُوا يَسْمَعُونَ من الرسل، فقالوا: (يا ويلنا مَنْ بَعَثَنَا) أَبَعَثَنَا اللَّهُ الْبَعْثَ الْمَوْعُودَ بِهِ أَمْ كُنَّا نِيَامًا فَنَبَّهَنَا؟
وَهَذَا كَمَا إِذَا كَانَ إِنْسَانٌ مَوْعُودًا بِأَنْ يَأْتِيَهُ عَدُوٌّ لَا يُطِيقُهُ، ثُمَّ يَرَى رَجُلًا هَائِلًا يُقْبِلُ عَلَيْهِ فَيَرْتَجِفُ فِي نَفْسِهِ وَيَقُولُ: هَذَا ذَلِكَ أَمْ لَا؟
وَيَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا قَوْلُهُمْ: (مِنْ مَرْقَدِنا) حَيْثُ جَعَلُوا الْقُبُورَ مَوْضِعَ الرُّقَادِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُمْ شَكُّوا فِي أَنَّهُمْ كَانُوا نِيَامًا فَنُبِّهُوا أَوْ كَانُوا مَوْتَى وَكَانَ الْغَالِبُ عَلَى ظَنِّهِمْ هُوَ الْبَعْثَ فَجَمَعُوا بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، فَقَالُوا: (مَنْ بَعَثَنا) إِشَارَةً إِلَى ظَنِّهِمْ أَنَّهُ بَعْثُهُمُ الْمَوْعُودُ بِهِ، وَقَالُوا: (مِنْ مَرْقَدِنا) إِشَارَةً إِلَى تَوَهُّمِهِمُ احْتِمَالَ الِانْتِبَاهِ.