فهرس الكتاب

الصفحة 798 من 2716

اعْلَمْ أَنَّ هَذَا وَإِنْ كَانَ اسْتِفْهَامًا فِي الظَّاهِرِ إِلَّا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ هُوَ النَّهْيُ فِي الْحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا حَسُنَ هَذَا الْمَجَازُ لِأَنَّهُ تَعَالَى ذَمَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ وَأَظْهَرَ قُبْحَهَا لِلْمُخَاطَبِ، فَلَمَّا اسْتَفْهَمَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ تَرْكِهَا لَمْ يَقْدِرِ الْمُخَاطَبُ إِلَّا عَلَى الإقرار بالترك، فكأنه قيل له: أتفعله بعد ما قَدْ ظَهَرَ مِنْ قُبْحِهِ مَا قَدْ ظَهَرَ فَصَارَ قَوْلُهُ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ جَارِيًا مَجْرَى تَنْصِيصِ اللَّه تَعَالَى عَلَى وُجُوبِ الِانْتِهَاءِ مَقْرُونًا بِإِقْرَارِ الْمُكَلَّفِ بِوُجُوبِ الِانْتِهَاءِ.

وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ دَالَّةٌ عَلَى تَحْرِيمِ شُرْبِ الْخَمْرِ مِنْ وجوه: أحدها: تَصْدِيرُ الْجُمْلَةِ بِإِنَّمَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ لِلْحَصْرِ، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: لَا رِجْسَ وَلَا شَيْءَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِلَّا هَذِهِ الْأَرْبَعَةُ

وثانيها: أَنَّهُ تَعَالَى قَرَنَ الْخَمْرَ وَالْمَيْسِرَ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «شَارِبُ الْخَمْرِ كَعَابِدِ الْوَثَنِ»

وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِالِاجْتِنَابِ، وَظَاهِرُ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ.

وَرَابِعُهَا: أَنَّهُ قَالَ: (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) جَعَلَ الِاجْتِنَابَ مِنَ الْفَلَاحِ، وَإِذَا كَانَ الِاجْتِنَابُ فَلَاحًا كَانَ الِارْتِكَابُ خَيْبَةً.

وَخَامِسُهَا: أَنَّهُ شَرَحَ أَنْوَاعَ الْمَفَاسِدِ الْمُتَوَلِّدَةِ مِنْهَا فِي الدُّنْيَا وَالدِّينِ، وَهِيَ وُقُوعُ التَّعَادِي وَالتَّبَاغُضِ بَيْنَ الْخَلْقِ وَحُصُولُ الْإِعْرَاضِ عَنْ ذِكْرِ اللَّه تَعَالَى وَعَنِ الصَّلَاةِ.

وَسَادِسُهَا: قَوْلُهُ (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) وَهُوَ مِنْ أَبْلَغِ مَا يُنْتَهَى بِهِ كَأَنَّهُ قِيلَ: قَدْ تُلِيَ عَلَيْكُمْ مَا فِيهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْمَفَاسِدِ وَالْقَبَائِحِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ مَعَ هَذِهِ الصَّوَارِفِ؟

أَمْ أَنْتُمْ عَلَى مَا كُنْتُمْ عَلَيْهِ حِينَ لَمْ تُوعَظُوا بِهَذِهِ الْمَوَاعِظِ.

وَسَابِعُهَا: أنه تعالى قال بعد ذلك (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا) فَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ وَأَطِيعُوا اللَّه وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فِيمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ أَمْرِهِمَا بِالِاجْتِنَابِ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ، وَقَوْلُهُ (وَاحْذَرُوا) أي احذروا عن مخالفتها فِي هَذِهِ التَّكَالِيفِ.

وَثَامِنُهَا: قَوْلُهُ: (فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) وَهَذَا تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ وَوَعِيدٌ شَدِيدٌ فِي حَقِّ مَنْ خَالَفَ فِي هَذَا التَّكْلِيفِ وَأَعْرَضَ فِيهِ عَنْ حُكْمِ اللَّه، وَبَيَانِهِ، يَعْنِي أَنَّكُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَالْحُجَّةُ قَدْ قَامَتْ عَلَيْكُمْ وَالرَّسُولُ قَدْ خَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ التَّبْلِيغِ وَالْإِعْذَارِ وَالْإِنْذَارِ، فَأَمَّا مَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ عِقَابِ مَنْ خَالَفَ هَذَا التَّكْلِيفَ وَأَعْرَضَ عَنْهُ فَذَاكَ إِلَى اللَّه تَعَالَى، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ، فَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّمَانِيَةِ دَلِيلًا قَاهِرًا وَبُرْهَانًا بَاهِرًا فِي تَحْرِيمِ الْخَمْرِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت