فهرس الكتاب

الصفحة 1117 من 2716

اعْلَمْ أَنَّهُ لَا بد هاهنا مِنْ إِضْمَارٍ.

وَالتَّقْدِيرُ: حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ.

تَابَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ، فَمَا الْفَائِدَةُ فِي هَذَا التَّكْرِيرِ؟

قُلْنَا: هَذَا التَّكْرِيرُ حَسَنٌ لِلتَّأْكِيدِ كَمَا أَنَّ السُّلْطَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُبَالِغَ فِي تَقْرِيرِ الْعَفْوِ لِبَعْضِ عَبِيدِهِ يَقُولُ عَفَوْتُ عَنْكَ ثُمَّ عَفَوْتُ عَنْكَ.

«فَإِنْ قِيلَ» : فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا) ؟

قُلْنَا فِيهِ وُجُوهٌ:

الْأَوَّلُ: قَالَ أَصْحَابُنَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ بَيَانُ أَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعَالَى فَقَوْلُهُ: (ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ فِعْلُ اللَّهِ وَقَوْلُهُ: (لِيَتُوبُوا) يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا فِعْلُ الْعَبْدِ، فَهَذَا صَرِيحُ قَوْلِنَا، ونظيره

(فَلْيَضْحَكُوا) مَعَ قَوْلِهِ: (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى) وقوله: (كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ) مع قوله: (إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا) وقوله: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ) مع قوله: (قُلْ سِيرُوا) .

وَالثَّانِي: الْمُرَادُ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي الْمَاضِي لِيَكُونَ ذَلِكَ دَاعِيًا لَهُمْ إِلَى التَّوْبَةِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.

وَالثَّالِثُ: أَصْلُ التَّوْبَةِ الرُّجُوعُ، فَالْمُرَادُ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَرْجِعُوا إِلَى حَالِهِمْ وَعَادَتِهِمْ فِي الِاخْتِلَاطِ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَزَوَالِ الْمُبَايَنَةِ فَتَسْكُنَ نُفُوسُهُمْ عِنْدَ ذلك.

الرابع: ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا أَيْ لِيَدُومُوا عَلَى التَّوْبَةِ، وَلَا يُرَاجِعُوا مَا يُبْطِلُهَا.

الْخَامِسُ: ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَنْتَفِعُوا بِالتَّوْبَةِ وَيَتَوَفَّرَ عَلَيْهِمْ ثَوَابُهَا وَهَذَانِ النَّفْعَانِ لَا يَحْصُلَانِ إِلَّا بَعْدَ تَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت