فهرس الكتاب

الصفحة 1171 من 2716

أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْ يَخُونَ فِي الْوَحْيِ وَالتَّنْزِيلِ وَأَنْ يَتْرُكَ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْهِ، لِأَنَّ تَجْوِيزَهُ يُؤَدِّي إِلَى الشَّكِّ فِي كُلِّ الشَّرَائِعِ وَالتَّكَالِيفِ وَذَلِكَ يَقْدَحُ فِي النُّبُوَّةِ وَأَيْضًا فَالْمَقْصُودُ مِنَ الرِّسَالَةِ تَبْلِيغُ تَكَالِيفِ اللَّه تَعَالَى وَأَحْكَامِهِ فَإِذَا لَمْ تَحْصُلْ هَذِهِ الْفَائِدَةُ فَقَدْ خَرَجَتِ الرِّسَالَةُ عَنْ أَنْ تُفِيدَ فَائِدَتَهَا الْمَطْلُوبَةَ مِنْهَا، وَإِذَا ثبت هذا وجب أن يكون المراد من قَوْلِهِ: (فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحى إِلَيْكَ) شَيْئًا آخَرَ سِوَى أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَعَلَ ذَلِكَ وَلِلنَّاسِ فِيهِ وُجُوهٌ:

الْأَوَّلُ: لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ فِي مَعْلُومِ اللَّه تَعَالَى أَنَّهُ إنما ترك التَّقْصِيرَ فِي أَدَاءِ الْوَحْيِ وَالتَّنْزِيلِ لِسَبَبٍ يَرِدُ عليه من اللَّه تعالى أمثال هذه التهديدات.

الْبَلِيغَةِ الثَّانِي: أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَعْتَقِدُونَ بِالْقُرْآنِ وَيَتَهَاوَنُونَ بِهِ، فَكَانَ يَضِيقُ صَدْرُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُلْقِيَ إِلَيْهِمْ مَا لَا يَقْبَلُونَهُ وَيَضْحَكُونَ مِنْهُ، فَهَيَّجَهُ اللَّه تَعَالَى لِأَدَاءِ الرِّسَالَةِ وَطَرْحِ الْمُبَالَاةِ بِكَلِمَاتِهِمُ الْفَاسِدَةِ وَتَرْكِ الِالْتِفَاتِ إِلَى اسْتِهْزَائِهِمْ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ أَدَّى ذَلِكَ الْوَحْيَ وَقَعَ فِي سُخْرِيَّتِهِمْ وَسَفَاهَتِهِمْ وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ ذَلِكَ الْوَحْيَ إِلَيْهِمْ وَقَعَ فِي تَرْكِ وَحْيِ اللَّه تَعَالَى وَفِي إِيقَاعِ الْخِيَانَةِ فِيهِ، فَإِذًا لَا بُدَّ مِنْ تَحَمُّلِ أَحَدِ الضَّرَرَيْنِ وَتَحَمُّلُ سَفَاهَتِهِمْ أَسْهَلُ مِنْ تَحَمُّلِ إِيقَاعِ الْخِيَانَةِ فِي وَحْيِ اللَّه تَعَالَى، وَالْغَرَضُ مِنْ ذِكْرِ هَذَا الْكَلَامِ التَّنْبِيهُ عَلَى هَذِهِ الدَّقِيقَةِ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا عَلِمَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ طَرَفَيِ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ يَشْتَمِلُ عَلَى ضَرَرٍ عَظِيمٍ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ الضَّرَرَ فِي جَانِبِ التَّرْكِ أَعْظَمُ وَأَقْوَى سَهُلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْفِعْلُ وَخَفَّ، فَالْمَقْصُودُ مِنْ ذِكْرِ هَذَا الْكَلَامِ مَا ذَكَرْنَاهُ.

«فَإِنْ قِيلَ» : قَوْلُهُ: (فَلَعَلَّكَ) كَلِمَةُ شَكٍّ فَمَا الْفَائِدَةُ فِيهَا؟

قُلْنَا: الْمُرَادُ مِنْهُ الزَّجْرُ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِلرَّجُلِ إِذَا أَرَادُوا إِبْعَادَهُ عَنْ أَمْرٍ لَعَلَّكَ تَقْدِرُ أَنْ تَفْعَلَ كَذَا مَعَ أَنَّهُ لَا شَكَّ فِيهِ، وَيَقُولُ لِوَلَدِهِ لَوْ أَمَرَهُ: لَعَلَّكَ تُقَصِّرُ فِيمَا أَمَرْتُكَ بِهِ وَيُرِيدُ تَوْكِيدَ الْأَمْرِ فَمَعْنَاهُ لَا تَتْرُكْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت