فهرس الكتاب

الصفحة 405 من 2716

قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها)

اخْتَلَفُوا فِي الَّذِي مَرَّ بِالْقَرْيَةِ، فَقَالَ قَوْمٌ: كَانَ رَجُلًا كَافِرًا شَاكًّا فِي الْبَعْثِ وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَأَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، وَقَالَ الْبَاقُونَ: إِنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا، ثُمَّ قَالَ قَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ وَالضَّحَاكُ وَالسُّدِّيُّ:

هُوَ عُزَيْرٌ، وَقَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ أَرْمِيَاءُ، ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ قَالَ: إِنَّ أَرْمِيَاءَ هُوَ الْخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ سِبْطِ هَارُونَ بْنِ عِمْرَانَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: إِنَّ أرمياء هو النبي الذي بعثه الله عند ما خَرَّبَ بُخْتَنَصَّرُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَأَحْرَقَ التَّوْرَاةَ، حُجَّةُ مَنْ قَالَ: إِنَّ هَذَا الْمَارَّ كَانَ كَافِرًا وُجُوهٌ الْأَوَّلُ: أَنَّ اللَّهَ حَكَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: (أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها) وَهَذَا كَلَامُ مَنْ يَسْتَبْعِدُ مِنَ اللَّهِ الْإِحْيَاءَ بَعْدَ الْإِمَاتَةِ وَذَلِكَ كُفْرٌ.

«فَإِنْ قِيلَ» : يَجُوزُ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ.

قُلْنَا: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ مِنَ اللَّهِ تعالى أن يعجب رسوله منه إذا الصَّبِيُّ لَا يُتَعَجَّبُ مِنْ شَكِّهِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، وَهَذِهِ الْحُجَّةُ ضَعِيفَةٌ لِاحْتِمَالِ أَنَّ ذَلِكَ الِاسْتِبْعَادَ مَا كَانَ بِسَبَبِ الشَّكِّ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ، بَلْ كَانَ بِسَبَبِ اطِّرَادِ الْعَادَاتِ فِي أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ الْخَرَابِ قَلَّمَا يُصَيِّرُهُ اللَّهُ مَعْمُورًا وَهَذَا كَمَا أَنَّ الْوَاحِدَ مِنَّا يُشِيرُ إِلَى جَبَلٍ، فَيَقُولُ: مَتَى يَقْلِبُهُ اللَّهُ ذَهَبًا، أَوْ يَاقُوتًا، لَا أَنَّ مُرَادَهُ مِنْهُ الشَّكُّ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، بَلْ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ مِنْهُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَقَعُ وَلَا يَحْصُلُ في مطرد العادات، فكذا هاهنا.

الْوَجْهُ الثَّانِي: قَالُوا: إِنَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي حَقِّهِ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ التَّبَيُّنُ حَاصِلًا لَهُ وَهَذَا أَيْضًا ضَعِيفٌ لِأَنَّ تَبَيُّنَ الْإِحْيَاءِ عَلَى سَبِيلِ الْمُشَاهَدَةِ مَا كَانَ حَاصِلًا لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَأَمَّا أَنَّ تَبَيُّنَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِدْلَالِ مَا كَانَ حَاصِلًا فَهُوَ مَمْنُوعٌ.

الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ قَالَ: (أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) وَهَذَا يَدُلُّ على أن هذا العالم إِنَّمَا حَصَلَ لَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَأَنَّهُ كَانَ خَالِيًا عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ الْعِلْمِ قَبْلَ ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَهَذَا أَيْضًا ضَعِيفٌ لِأَنَّ تِلْكَ الْمُشَاهَدَةَ لَا شَكَّ أَنَّهَا أَفَادَتْ نَوْعَ تَوْكِيدٍ وَطُمَأْنِينَةٍ وَوُثُوقٍ، وَذَلِكَ الْقَدْرُ مِنَ التَّأْكِيدِ إِنَّمَا حَصَلَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَصْلَ الْعِلْمِ مَا كَانَ حَاصِلًا قَبْلَ ذَلِكَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت