فهرس الكتاب

الصفحة 429 من 2716

الرُّجُوعُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لَيْسَ، الْمُرَادُ مِنْهُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَكَانِ وَالْجِهَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ الرُّجُوعَ إِلَى عِلْمِهِ وَحِفْظِهِ، فَإِنَّهُ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا لَكِنْ كُلُّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ قَوْلِهِ تُرْجَعُونَ (فِيهِ) إِلَى اللَّهِ لَهُ مَعْنَيَانِ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْإِنْسَانَ لَهُ أَحْوَالٌ ثَلَاثَةٌ عَلَى التَّرْتِيبِ.

فَالْحَالَةُ الْأُولَى: كَوْنُهُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ، ثُمَّ لَا يَمْلِكُونَ نَفْعَهُمْ وَلَا ضَرَّهُمْ، بَلِ الْمُتَصَرِّفُ فِيهِمْ لَيْسَ إِلَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: كَوْنُهُمْ بَعْدَ الْبُرُوزِ عَنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ، وَهُنَاكَ يَكُونُ الْمُتَكَفِّلُ بِإِصْلَاحِ أَحْوَالِهِمْ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ الْأَبَوَيْنِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَصَرَّفُ بَعْضُهُمْ فِي الْبَعْضِ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ.

وَالْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: بَعْدَ الْمَوْتِ وَهُنَاكَ لَا يَكُونُ الْمُتَصَرِّفُ فِيهِمْ ظَاهِرًا فِي الْحَقِيقَةِ إِلَّا اللَّهَ سُبْحَانَهُ، فَكَأَنَّهُ بَعْدَ الْخُرُوجِ عَنِ الدُّنْيَا عَادَ إِلَى الْحَالَةِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الدُّنْيَا، فَهَذَا هُوَ مَعْنَى الرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ.

وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ يَرْجِعُونَ إِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مِنْ ثَوَابٍ أَوْ عِقَابٍ، وَكِلَا التَّأْوِيلَيْنِ حَسَنٌ مُطَابِقٌ لِلَّفْظِ.

ثُمَّ قَالَ: (وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) وَفِيهِ سُؤَالٌ وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ (تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ) لَا مَعْنَى لَهُ إِلَّا أَنَّهُمْ لَا يُظْلَمُونَ، فَكَانَ ذَلِكَ تَكْرِيرًا؟

وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا قَالَ: (تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ) كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى إِيصَالِ الْعَذَابِ إِلَى الْفُسَّاقِ وَالْكُفَّارِ، فَكَانَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: كَيْفَ يَلِيقُ بِكَرَمِ أَكْرَمِ الْأَكْرَمِينَ أَنْ يُعَذِّبَ عَبِيدَهُ فَأَجَابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ (وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) وَالْمَعْنَى أَنَّ الْعَبْدَ هُوَ الَّذِي أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِي تِلْكَ الْوَرْطَةِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَكَّنَهُ وَأَزَاحَ عُذْرَهُ، وَسَهَّلَ عَلَيْهِ طَرِيقَ الِاسْتِدْلَالِ، وَأَمْهَلَهُ فَمَنْ قَصَّرَ فَهُوَ الَّذِي أَسَاءَ إِلَى نَفْسِهِ، وَهَذَا الْجَوَابُ إِنَّمَا يَسْتَقِيمُ عَلَى أُصُولِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَأَمَّا عَلَى أُصُولِ أَصْحَابِنَا فَهُوَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ مَالِكُ الْخَلْقِ، وَالْمَالِكُ إِذَا تَصَرَّفَ فِي مِلْكِهِ كَيْفَ شَاءَ وَأَرَادَ لَمْ يَكُنْ ظُلْمًا، فَكَانَ قَوْلُهُ (وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) بَعْدَ ذِكْرِ الوعيد إشارة إلى ما ذكرناه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت