اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى وَإِنْ ذَكَرَ الْأَكْلَ، فَالْمُرَادُ بِهِ التَّصَرُّفُ لِأَنَّ أَكْلَ مَالِ الْيَتِيمِ كَمَا يَحْرُمُ، فَكَذَا سَائِرُ التَّصَرُّفَاتِ الْمُهْلِكَةِ لِتِلْكَ الْأَمْوَالِ مُحَرَّمَةٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ فِي الْمَالِ مَا لَا يَصِحُّ أَنْ يُؤْكَلَ، فَثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ التَّصَرُّفُ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْأَكْلَ لِأَنَّهُ مُعْظَمُ مَا يَقَعُ لِأَجْلِهِ التَّصَرُّفُ.
«فَإِنْ قِيلَ» : إِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ أَكْلَ أَمْوَالِ الْيَتَامَى ظُلْمًا فِي الْآيَةِ الْأُولَى الْمُتَقَدِّمَةِ دَخَلَ فِيهَا أَكْلُهَا وَحْدَهَا وَأَكْلُهَا مَعَ غَيْرِهَا، فَمَا الْفَائِدَةُ فِي إِعَادَةِ النَّهْيِ عَنْ أَكْلِهَا مَعَ أَمْوَالِهِمْ؟
قُلْنَا: لِأَنَّهُمْ إِذَا كَانُوا مُسْتَغْنِينَ عَنْ أَمْوَالِ الْيَتَامَى بِمَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ مِنْ حَلَالٍ وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يَطْمَعُونَ فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى، كَانَ الْقُبْحُ أَبْلَغَ وَالذَّمُّ أَحَقَّ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى عَرَّفَ الْخَلْقَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ أَكْلَ مَالِ الْيَتِيمِ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ الْمُحَرَّمَةِ إِثْمٌ عَظِيمٌ فَقَالَ: (إِنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا) .