قال هاهنا (قالَ قَرِينُهُ) مِنْ غَيْرِ وَاوٍ، وَقَالَ فِي الآية الأولى (وَقالَ قَرِينُهُ) [ق: 23] بِالْوَاوِ الْعَاطِفَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ فِي الْأَوَّلِ الْإِشَارَةَ وَقَعَتْ إِلَى مَعْنَيَيْنِ مُجْتَمِعَيْنِ، وَأَنَّ كُلَّ نَفْسٍ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ تَجِيءُ وَمَعَهَا سَائِقٌ، وَيَقُولُ الشَّهِيدُ ذَلِكَ الْقَوْلَ، وَفِي الثَّانِي لَمْ يُوجَدْ هُنَاكَ مَعْنَيَانِ مُجْتَمِعَانِ حَتَّى يُذْكَرَ بِالْوَاوِ، وَالْفَاءُ في قوله (فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ) [ق: 26] لَا يُنَاسِبُ قَوْلَهُ تَعَالَى: (قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا مَا أَطْغَيْتُهُ) مُنَاسَبَةً مُقْتَضِيَةً لِلْعَطْفِ بِالْوَاوِ.
* القائل هاهنا وَاحِدٌ، وَقَالَ (رَبَّنا) وَلَمْ يَقُلْ رَبِّ، وَفِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَوَاضِعِ مَعَ كَوْنِ الْقَائِلِ وَاحِدًا، قَالَ رَبِّ، كَمَا فِي قَوْلِهِ (قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ) [الْأَعْرَافِ: 143] وَقَوْلِ نُوحٍ (رَبِّ اغْفِرْ لِي) [نوح: 28] وقوله تَعَالَى: (قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ) [يوسف: 33] وقوله (قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ) [التَّحْرِيمِ: 11] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَقوله تَعَالَى: (قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) [ص: 79] ؟
نَقُولُ فِي جَمِيعِ تِلْكَ الْمَوَاضِعِ الْقَائِلُ طَالِبٌ، وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يَقُولَ الطَّالِبُ: يَا رَبِّ عَمِّرْنِي وَاخْصُصْنِي وَأَعْطِنِي كَذَا، وَإِنَّمَا يَقُولُ: أَعْطِنَا لِأَنَّ كَوْنَهُ رَبًّا لَا يُنَاسِبُ تَخْصِيصَ الطَّالِبِ، وَأَمَّا هَذَا الْمَوْضِعُ فَمَوْضِعُ الْهَيْبَةِ وَالْعَظَمَةِ وَعَرْضِ الْحَالِ دُونَ الطَّلَبِ فَقَالَ: (رَبَّنا مَا أَطْغَيْتُهُ) .