«فَإِنْ قِيلَ» : قَوْلُهُ (أَحْقَابًا) وَإِنْ طَالَتْ إِلَّا أَنَّهَا مُتَنَاهِيَةٌ، وَعَذَابُ أَهْلِ النَّارِ غَيْرُ مُتَنَاهٍ، بَلْ لَوْ قَالَ لَابِثِينَ فِيهَا الْأَحْقَابَ لَمْ يَكُنْ هَذَا السُّؤَالُ وَارِدًا، وَنَظِيرُ هَذَا السُّؤَالِ قَوْلُهُ فِي أَهْلِ الْقِبْلَةِ: (إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ) ؟
قُلْنَا: الْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ لَفْظَ الْأَحْقَابِ لَا يَدُلُّ عَلَى مُضِيِّ حُقْبٍ لَهُ نِهَايَةٌ وَإِنَّمَا الْحُقْبُ الْوَاحِدُ مُتَنَاهٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يَلْبَثُونَ فِيهَا أَحْقَابًا كُلَّمَا مَضَى حُقْبٌ تَبِعَهُ حُقْبٌ آخَرُ، وَهَكَذَا إِلَى الْأَبَدِ.
وَالثَّانِي: قَالَ الزَّجَّاجُ: الْمَعْنَى أَنَّهُمْ يَلْبَثُونَ فِيهَا أَحْقَابًا لَا يَذُوقُونَ فِي الْأَحْقَابِ بَرْدًا وَلَا شَرَابًا، فَهَذِهِ الْأَحْقَابُ تَوْقِيتٌ لِنَوْعٍ مِنَ الْعَذَابِ، وَهُوَ أَنْ لَا يَذُوقُوا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا، ثُمَّ يُبَدَّلُونَ بَعْدَ الْأَحْقَابِ عَنِ الْحَمِيمِ وَالْغَسَّاقِ مِنْ جِنْسٍ آخَرَ مِنَ الْعَذَابِ.
وَثَالِثُهَا: هَبْ أَنَّ قَوْلَهُ: أَحْقابًا يُفِيدُ التَّنَاهِيَ، لَكِنَّ دَلَالَةَ هَذَا عَلَى الْخُرُوجِ دَلَالَةُ الْمَفْهُومِ، وَالْمَنْطُوقُ دَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَخْرُجُونَ قَالَ تَعَالَى: (يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ) [الْمَائِدَةِ: 37] وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَنْطُوقَ رَاجِحٌ.
وَذَكَرَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» فِي الْآيَةِ وَجْهًا آخَرَ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ أَحْقَابًا مِنْ حَقِبَ عَامُنَا إِذَا قَلَّ مَطَرُهُ وَخَيْرُهُ، وَحَقِبَ فُلَانٌ إِذَا أَخْطَأَهُ الرِّزْقُ فَهُوَ حَقِبٌ وَجَمْعُهُ أَحْقَابٌ.
فَيَنْتَصِبُ حَالًا عَنْهُمْ بِمَعْنَى لَابِثِينَ فِيهَا حَقِبِينَ مُجْدِبِينَ، وَقَوْلُهُ: (لَا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا وَلا شَرابًا) [النبأ: 24] تفسير له.