وَفِيهِ سُؤَالٌ: وَهُوَ أَنَّ إِلْقَاءَهُمْ حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ مُعَارَضَةٌ لِلْمُعْجِزَةِ بِالسِّحْرِ وَذَلِكَ كُفْرٌ وَالْأَمْرُ بِالْكُفْرِ كُفْرٌ وَحَيْثُ كَانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يَجُوزُ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يَقُولَ أَلْقُوا؟
وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِشَرْطِ أَنْ يَعْلَمُوا فِي فِعْلِهِمْ أَنْ يَكُونَ حَقًّا فَإِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَا أَمْرَ هُنَاكَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ مِنَّا لِغَيْرِهِ اسْقِنِي الْمَاءَ مِنَ الْجَرَّةِ فَهَذَا الْكَلَامُ إِنَّمَا يَكُونُ أَمْرًا بِشَرْطِ حُصُولِ الْمَاءِ فِي الْجَرَّةِ فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَاءً فَلَا امر ألبتة كذلك هاهنا.
الثَّانِي: أَنَّ الْقَوْمَ إِنَّمَا جَاءُوا لِإِلْقَاءِ تِلْكَ الْحِبَالِ وَالْعِصِيِّ وَعَلِمَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُمْ لَا بُدَّ وَأَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ وَإِنَّمَا وَقَعَ التَّخْيِيرُ فِي التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ فَعِنْدَ ذَلِكَ أَذِنَ لَهُمْ فِي التَّقْدِيمِ ازْدِرَاءً لِشَأْنِهِمْ وَقِلَّةَ مُبَالَاةٍ بِهِمْ وَثِقَةً بِمَا وَعَدَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنَ التَّأْيِيدِ وَالْقُوَّةِ وَأَنَّ الْمُعْجِزَةَ لَا يَغْلِبُهَا سِحْرٌ أَبَدًا.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يُرِيدُ إِبْطَالَ مَا أَتَوْا بِهِ مِنَ السِّحْرِ وَإِبْطَالُهُ مَا كَانَ يُمْكِنُ إِلَّا بِإِقْدَامِهِمْ عَلَى إِظْهَارِهِ فَأَذِنَ لَهُمْ فِي الْإِتْيَانِ بِذَلِكَ السِّحْرِ لِيُمْكِنَهُ الْإِقْدَامُ عَلَى إِبْطَالِهِ وَمِثَالُهُ أَنَّ مَنْ يُرِيدُ سَمَاعَ شُبْهَةِ مُلْحِدٍ لِيُجِيبَ عَنْهَا وَيَكْشِفَ عَنْ ضَعْفِهَا وَسُقُوطِهَا يَقُولُ لَهُ هَاتِ وَقُلْ وَاذْكُرْهَا وَبَالِغْ فِي تَقْرِيرِهَا وَمُرَادُهُ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا أَجَابَ عَنْهَا بَعْدَ هَذِهِ الْمُبَالَغَةِ فَإِنَّهُ يَظْهَرُ لِكُلِّ أَحَدٍ ضَعْفُهَا وَسُقُوطُهَا فَكَذَا هاهنا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.