«فَإِنْ قِيلَ» : الْآيَةُ سِيقَتْ لِاخْتِصَاصِ اللَّه تَعَالَى بِعِلْمِ الْغَيْبِ وَإِنَّ الْعِبَادَ لَا عِلْمَ لَهُمْ بِشَيْءٍ مِنْهُ وَإِنَّ وَقْتَ بَعْثِهِمْ وَنُشُورِهِمْ مِنْ جُمْلَةِ الْغَيْبِ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ بِهِ، فَكَيْفَ نَاسَبَ هَذَا الْمَعْنَى وَصْفَ الْمُشْرِكِينَ بِإِنْكَارِهِمُ الْبَعْثَ مَعَ اسْتِحْكَامِ أَسْبَابِ الْعِلْمِ وَالتَّمَكُّنِ مِنَ الْمَعْرِفَةِ؟
وَالْجَوَابُ: كَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ كَيْفَ يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَعَ أَنَّهُمْ شَكُّوا فِي ثُبُوتِ الْآخِرَةِ الَّتِي دَلَّتِ الدَّلَائِلُ الظَّاهِرَةُ الْقَاهِرَةُ عَلَيْهَا فَمَنْ غَفَلَ عَنْ هَذَا الشَّيْءِ الظَّاهِرِ كَيْفَ يَعْلَمُ الْغَيْبَ الَّذِي هُوَ أَخْفَى الْأَشْيَاءِ.
فَإِنْ قُلْتَ هَذِهِ الْإِضْرَابَاتُ الثَّلَاثُ مَا مَعْنَاهَا؟
قُلْتُ مَا هِيَ إِلَّا بَيَانُ دَرَجَاتِهِمْ وَصَفَهُمْ أَوَّلًا بِأَنَّهُمْ لَا يَشْعُرُونَ وَقْتَ الْبَعْثِ، ثُمَّ بِأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ الْقِيَامَةَ كَائِنَةٌ، ثُمَّ بِأَنَّهُمْ يَخْبِطُونَ فِي شَكٍّ وَمِرْيَةٍ، ثُمَّ بِمَا هُوَ أَسْوَأُ حَالًا وَهُوَ الْعَمَى.
وَفِيهِ نُكْتَةٌ وَهِيَ أَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ الْآخِرَةَ مَبْدَأَ عَمَاهُمْ فَلِذَلِكَ عَدَّاهُ بِـ (مِنْ) دُونَ (عَنْ) لِأَنَّ الْفِكْرَ بِالْعَاقِبَةِ وَالْجَزَاءُ هُوَ الَّذِي جَعَلَهُمْ كالبهائم.