فهرس الكتاب

الصفحة 1102 من 2716

قَالَ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ:

الْأَعْرَابِيُّ إِذَا قِيلَ لَهُ يَا عَرَبِيُّ: فَرِحَ، وَالْعَرَبِيُّ إِذَا قِيلَ لَهُ: يَا أَعْرَابِيُّ، غَضِبَ لَهُ، فَمَنِ اسْتَوْطَنَ الْقُرَى الْعَرَبِيَّةَ فَهُمْ عَرَبٌ، وَمَنْ نَزَلَ الْبَادِيَةَ فَهُمْ أَعْرَابٌ، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى الْفَرْقِ وُجُوهٌ:

الْأَوَّلُ: أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: «حُبُّ الْعَرَبِ مِنَ الْإِيمَانِ»

وَأَمَّا الْأَعْرَابُ فَقَدْ ذَمَّهُمُ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ.

وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: لِلْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ أَعْرَابٌ، إِنَّمَا هُمْ عَرَبٌ، وَهُمْ مُتَقَدِّمُونَ فِي مَرَاتِبِ الدِّينِ عَلَى الْأَعْرَابِ.

قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا وَلَا فَاسِقٌ مُؤْمِنًا وَلَا أَعْرَابِيٌّ مُهَاجِرًا»

الثَّالِثُ: قِيلَ إِنَّمَا سُمِّيَ الْعَرَبُ عَرَبَا لِأَنَّ أَوْلَادَ إِسْمَاعِيلَ نَشَأُوا بِعَرَبَةَ، وَهِيَ مِنْ تِهَامَةَ.

فَنُسِبُوا إِلَى بَلَدِهِمْ وَكُلُّ مَنْ يَسْكُنُ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ وَيَنْطِقُ بِلِسَانِهِمْ فَهُوَ مِنْهُمْ، لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا تَوَلَّدُوا من أولاد إسماعيل وقيل: سموا بالعرب، لأنه أَلْسِنَتَهُمْ مُعْرِبَةٌ عَمَّا فِي ضَمَائِرِهِمْ، وَلَا شَكَّ أَنَّ اللِّسَانَ الْعَرَبِيَّ مُخْتَصٌّ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْفَصَاحَةِ وَالْجَزَالَةِ لَا تُوجَدُ فِي سَائِرِ الْأَلْسِنَةِ، وَرَأَيْتُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ عَنْ بَعْضِ الْحُكَمَاءِ أَنَّهُ قَالَ: حِكْمَةُ الرُّومِ فِي أَدْمِغَتِهِمْ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَقْدِرُونَ عَلَى التَّرْكِيبَاتِ الْعَجِيبَةِ، وَحِكْمَةُ الْهِنْدِ فِي أوهامهم، وحكمة يونان فِي أَفْئِدَتِهِمْ.

وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ مَا لَهُمْ مِنَ الْمَبَاحِثِ الْعَقْلِيَّةِ، وَحِكْمَةُ الْعَرَبِ فِي أَلْسِنَتِهِمْ، وَذَلِكَ لِحَلَاوَةِ أَلْفَاظِهِمْ وَعُذُوبَةِ عِبَارَاتِهِمْ.

* إنَّهُ تَعَالَى حَكَمَ عَلَى الْأَعْرَابِ بِحُكْمَيْنِ:

الْحُكْمُ الْأَوَّلُ أَنَّهُمْ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا، وَالسَّبَبُ فِيهِ وُجُوهٌ:

الْأَوَّلُ: أَنَّ أَهْلَ الْبَدْوِ يُشْبِهُونَ الْوُحُوشَ.

وَالثَّانِي: اسْتِيلَاءُ الْهَوَاءِ الْحَارِّ الْيَابِسِ عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ يُوجِبُ مَزِيدَ التِّيهِ وَالتَّكَبُّرِ وَالنَّخْوَةِ وَالْفَخْرِ وَالطَّيْشِ عَلَيْهِمْ،

وَالثَّالِثُ: أَنَّهُمْ مَا كَانُوا تَحْتَ سِيَاسَةِ سَائِسٍ، وَلَا تَأْدِيبِ مُؤَدِّبٍ، وَلَا ضبط ضبط فنشاؤا كما شاءُوا، وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ خَرَجَ عَلَى أَشَدِّ الْجِهَاتِ فسادا.

والرابع: أن من أصبح وأمسى مُشَاهِدًا لِوَعْظِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبَيَانَاتِهِ الشَّافِيَةِ، وَتَأْدِيبَاتِهِ الْكَامِلَةِ، كَيْفَ يَكُونُ مُسَاوِيًا لِمَنْ لَمْ يُؤَاثِرْ هَذَا الْخَيْرَ، وَلَمْ يَسْمَعْ خَبَرَهُ.

وَالْخَامِسُ: قَابِلْ الْفَوَاكِهَ الْجَبَلِيَّةَ بِالْفَوَاكِهِ الْبُسْتَانِيَّةِ لِتَعْرِفَ الْفَرْقَ بَيْنَ أَهْلِ الْحَضَرِ وَالْبَادِيَةِ.

الْحُكْمُ الثَّانِي قَوْلُهُ: (وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ) وقوله: (أَجْدَرُ) أَيْ أَوْلَى وَأَحَقُّ، وَفِي الْآيَةِ حَذْفٌ، وَالتَّقْدِيرُ: وَأَجْدُرُ بِأَنْ لَا يَعْلَمُوا.

وَقِيلَ فِي تَفْسِيرِ حُدُودِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مَقَادِيرُ التَّكَالِيفِ وَالْأَحْكَامِ.

وَقِيلَ: مَرَاتِبُ أَدِلَّةِ الْعَدْلِ وَالتَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَالْمَعَادِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا فِي قُلُوبِ خَلْقِهِ حَكِيمٌ فِيمَا فَرَضَ مِنْ فَرَائِضِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت