فهرس الكتاب

الصفحة 1228 من 2716

وهاهنا سُؤَالَاتٌ:

السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: أَنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ حُرًّا وَمَا كَانَ عَبْدًا لِأَحَدٍ فَقَوْلُهُ: (إِنَّهُ رَبِّي) يَكُونُ كَذِبًا وَذَلِكَ ذَنْبٌ وَكَبِيرَةٌ؟

وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَجْرَى هَذَا الْكَلَامَ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ وَعَلَى وَفْقِ مَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَ فِيهِ مِنْ كَوْنِهِ عَبْدًا لَهُ وَأَيْضًا أَنَّهُ رَبَّاهُ وَأَنْعَمَ عَلَيْهِ بِالْوُجُوهِ الْكَثِيرَةِ فَعَنَى بِكَوْنِهِ رَبًّا لَهُ كَوْنَهُ مُرَبِّيًا لَهُ، وَهَذَا مِنْ بَابِ الْمَعَارِيضِ الْحَسَنَةِ، فَإِنَّ أَهْلَ الظَّاهِرِ يَحْمِلُونَهُ عَلَى كَوْنِهِ رَبًّا لَهُ وَهُوَ كَانَ يَعْنِي بِهِ أَنَّهُ كَانَ مُرَبِّيًا لَهُ وَمُنْعِمًا عَلَيْهِ.

السُّؤَالُ الثَّانِي: هَلْ يَدُلُّ قَوْلُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (مَعاذَ اللَّهِ) عَلَى صِحَّةِ مَذْهَبِنَا فِي الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ؟

وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ دَلَالَةً ظَاهِرَةً لِأَنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَعُوذُ باللَّه مَعَاذًا، طَلَبٌ مِنَ اللَّه أَنْ يُعِيذَهُ مِنْ ذَلِكَ الْعَمَلِ، وَتِلْكَ الْإِعَاذَةُ لَيْسَتْ عِبَارَةً عَنْ إِعْطَاءِ الْقُدْرَةِ وَالْعَقْلِ وَالْآلَةِ، وَإِزَاحَةِ الْأَعْذَارِ، وَإِزَالَةِ الْمَوَانِعِ وَفِعْلِ الْأَلْطَافِ، لِأَنَّ كُلَّ مَا كَانَ فِي مَقْدُورِ اللَّه تَعَالَى مِنْ هَذَا الْبَابِ فَقَدْ فَعَلَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إِمَّا طَلَبًا لِتَحْصِيلِ الْحَاصِلِ، أَوْ طَلَبًا لِتَحْصِيلِ الْمُمْتَنِعِ وَأَنَّهُ مُحَالٌ فَعَلِمْنَا أَنَّ تِلْكَ الْإِعَاذَةَ الَّتِي طَلَبَهَا يُوسُفُ مِنَ اللَّه تَعَالَى لَا مَعْنَى لَهَا، إِلَّا أَنْ يَخْلُقَ فِيهِ دَاعِيَةً جَازِمَةً فِي جَانِبِ الطَّاعَةِ وَأَنْ يُزِيلَ عَنْ قَلْبِهِ دَاعِيَةَ الْمَعْصِيَةِ، وَذَلِكَ هُوَ الْمَطْلُوبُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مَا ذَكَرْنَاهُ مَا نُقِلَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى زَيْنَبَ قَالَ: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»

وَكَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ تَقْوِيَةَ دَاعِيَةِ الطَّاعَةِ، وَإِزَالَةَ دَاعِيَةِ الْمَعْصِيَةِ فَكَذَا هاهنا، وَكَذَا

قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «قَلْبُ الْمُؤْمِنِ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ»

فَالْمُرَادُ مِنَ الْأُصْبُعَيْنِ دَاعِيَةُ الْفِعْلِ، وَدَاعِيَةُ التَّرْكِ وَهَاتَانِ الدَّاعِيَتَانِ لَا يَحْصُلَانِ إِلَّا بِخَلْقِ اللَّه تَعَالَى، وَإِلَّا لَافْتَقَرَتْ إِلَى دَاعِيَةٍ أُخْرَى وَلَزِمَ التَّسَلْسُلُ فَثَبَتَ أَنَّ قَوْلَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: مَعاذَ اللَّهِ مِنْ أَدَلِّ الدَّلَائِلِ عَلَى قَوْلِنَا واللَّه أَعْلَمُ.

السُّؤَالُ الثَّالِثُ: ذَكَرَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْجَوَابِ عَنْ كَلَامِهَا ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ:

أَحَدُهَا: قَوْلُهُ: (مَعاذَ اللَّهِ)

وَالثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالَى عَنْهُ: (إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ)

وَالثَّالِثُ: قَوْلُهُ: (إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) فَمَا وَجْهُ تَعَلُّقِ بَعْضِ هَذَا الْجَوَابِ بِبَعْضٍ؟

وَالْجَوَابُ: هَذَا التَّرْتِيبُ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الِانْقِيَادَ لِأَمْرِ اللَّه تَعَالَى وَتَكْلِيفِهِ أَهَمُّ الْأَشْيَاءِ لِكَثْرَةِ إِنْعَامِهِ وَأَلْطَافِهِ فِي حَقِّ الْعَبْدِ فَقَوْلُهُ: (مَعاذَ اللَّهِ) إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ حَقَّ اللَّه تَعَالَى يَمْنَعُ عَنْ هَذَا الْعَمَلِ، وَأَيْضًا حُقُوقُ الْخَلْقِ وَاجِبَةُ الرِّعَايَةِ، فَلَمَّا كَانَ هَذَا الرَّجُلُ قَدْ أَنْعَمَ فِي حَقِّي يَقْبُحُ مُقَابَلَةُ إِنْعَامِهِ وَإِحْسَانِهِ بِالْإِسَاءَةِ، وَأَيْضًا صَوْنُ النَّفْسِ عَنِ الضَّرَرِ وَاجِبٌ، وَهَذِهِ اللَّذَّةُ لَذَّةٌ قَلِيلَةٌ يَتْبَعُهَا خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا، وَعَذَابٌ شَدِيدٌ فِي الْآخِرَةِ، وَاللَّذَّةُ الْقَلِيلَةُ إِذَا لَزِمَهَا ضَرَرٌ شَدِيدٌ، فَالْعَقْلُ يَقْتَضِي تَرْكَهَا وَالِاحْتِزَازَ عَنْهَا فَقَوْلُهُ: (إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) إِشَارَةٌ إِلَيْهِ، فَثَبَتَ أَنَّ هَذِهِ الْجَوَابَاتِ الثَّلَاثَةَ مُرَتَّبَةٌ عَلَى أَحْسَنِ وُجُوهِ الترتيب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت