(زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ(212)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ)
فِيهِ سُؤَالَاتٌ:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: لِمَ قَالَ: (مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ قَالَ:(وَالَّذِينَ اتَّقَوْا) ؟
الْجَوَابُ: لِيُظْهِرَ بِهِ أَنَّ السَّعَادَةَ الْكُبْرَى لَا تَحْصُلُ إِلَّا للمؤمن التقي، وليكون بعثا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَى التَّقْوَى.
السُّؤَالُ الثَّانِي: مَا الْمُرَادُ بِهَذِهِ الْفَوْقِيَّةِ؟
الْجَوَابُ: فِيهِ وُجُوهٌ أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْفَوْقِيَّةِ الْفَوْقِيَّةَ بِالْمَكَانِ، لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَكُونُونَ فِي عِلِّيِّينَ
مِنَ السَّمَاءِ وَالْكَافِرِينَ يَكُونُونَ فِي سِجِّينٍ مِنَ الْأَرْضِ.
وَثَانِيهَا: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْفَوْقِيَّةِ الفوقية فِي الْكَرَامَةِ وَالدَّرَجَةِ.
«فَإِنْ قِيلَ» : إِنَّمَا يُقَالُ: فُلَانٌ فَوْقَ فُلَانٍ فِي الْكَرَامَةِ، إِذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْكَرَامَةِ ثُمَّ يَكُونُ أَحَدُهُمَا أَزْيَدَ حَالًا مِنَ الْآخَرِ فِي تِلْكَ الْكَرَامَةِ، وَالْكَافِرُ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الْكَرَامَةِ فَكَيْفَ يُقَالُ: الْمُؤْمِنُ فَوْقَهُ فِي الْكَرَامَةِ؟
قُلْنَا: الْمُرَادُ أَنَّهُمْ كَانُوا فَوْقَهُمْ فِي سَعَادَاتِ الدُّنْيَا ثُمَّ فِي الْآخِرَةِ يَنْقَلِبُ الْأَمْرُ، فَاللَّهُ تَعَالَى يُعْطِي الْمُؤْمِنَ مِنْ سَعَادَاتِ الْآخِرَةِ مَا يَكُونُ فَوْقَ السَّعَادَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ حَاصِلَةً لِلْكَافِرِينَ.
وَثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: أَنَّهُمْ فَوْقَهُمْ فِي الْحُجَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ شُبَهَاتِ الْكُفَّارِ رُبَّمَا كَانَتْ تَقَعُ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ إِنَّهُمْ كَانُوا يَرُدُّونَهَا عَنْ قُلُوبِهِمْ بِمَدَدِ تَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَمَّا يَوْمُ الْقِيَامَةِ فَلَا يَبْقَى شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ تَزُولُ الشُّبَهَاتُ، وَلَا تُؤَثِّرُ وَسَاوِسُ الشَّيْطَانِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ إِلَى قَوْلِهِ - فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا) [الْمُطَفِّفِينَ: 29 - 34] الْآيَةِ.
وَرَابِعُهَا: أَنَّ سُخْرِيَةَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْكُفَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَوْقَ سُخْرِيَةِ الْكَافِرِينَ بِالْمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا لِأَنَّ سُخْرِيَةَ الْكَافِرِ بِالْمُؤْمِنِ بَاطِلَةٌ، وَهِيَ مَعَ بُطْلَانِهَا مُنْقَضِيَةٌ، وَسُخْرِيَةُ الْمُؤْمِنِ بِالْكَافِرِ فِي الْآخِرَةِ حَقَّةٌ ومع حقيقتها هِيَ دَائِمَةٌ بَاقِيَةٌ.
السُّؤَالُ الثَّالِثُ: هَلْ تَدُلُّ الْآيَةُ عَلَى الْقَطْعِ بِوَعِيدِ الْفَسَادِ فَإِنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّهُ تَعَالَى خَصَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِهَذِهِ الْفَوْقِيَّةِ فَالَّذِينَ لَا يَكُونُونَ مَوْصُوفِينَ بِالتَّقْوَى وَجَبَ أَنْ لَا تَحْصُلَ لَهُمْ هَذِهِ الْفَوْقِيَّةُ وَإِنْ لَمْ تَحْصُلْ هَذِهِ الْفَوْقِيَّةُ كَانُوا مِنْ أَهْلِ النَّارِ؟