فهرس الكتاب

الصفحة 1632 من 2716

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)

هُوَ كَالْجَوَابِ عَنْ سُؤَالٍ يُذْكَرُ وَهُوَ أَنَّ التَّكْلِيفَ وَإِنْ كَانَ تَشْرِيفًا وَاجِبًا كَمَا ذَكَرْتُمْ لَكِنَّهُ شَاقٌّ شَدِيدٌ عَلَى النَّفْسِ؟

فَأَجَابَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: (وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) رُوِيَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ كَيْفَ قَالَ اللَّه تَعَالَى: (وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) مَعَ أَنَّهُ مَنَعَنَا عَنِ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ؟

فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا: بَلَى وَلَكِنَّ الْإِصْرَ الَّذِي كَانَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وُضِعَ عَنْكُمْ.

وَهَاهُنَا سُؤَالَاتٌ:

السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: مَا الْحَرَجُ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ؟

الْجَوَابُ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ لِبَعْضِ هُذَيْلٍ مَا تَعُدُّونَ الْحَرَجَ فِيكُمْ؟

قَالَ الضِّيقُ، وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّه عَنْهَا: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ ذَلِكَ فَقَالَ الضِّيقُ» .

السُّؤَالُ الثَّانِي: مَا الْمُرَادُ مِنَ الْحَرَجِ فِي الْآيَةِ؟

الْجَوَابُ: قِيلَ هُوَ الْإِتْيَانُ بِالرُّخَصِ، فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ قَائِمًا فَلْيُصَلِّ جَالِسًا وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ ذَلِكَ فليؤم، وَأَبَاحَ لِلصَّائِمِ الْفِطْرَ فِي السَّفَرِ وَالْقَصْرَ فِيهِ.

وَأَيْضًا فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يَبْتَلِ عَبْدَهُ بِشَيْءٍ مِنَ الذُّنُوبِ إِلَّا وَجَعَلَ لَهُ مَخْرَجًا مِنْهَا إِمَّا بِالتَّوْبَةِ أَوْ بِالْكَفَّارَةِ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي اللَّه عَنْهُمَا «إِنَّهُ مَنْ جَاءَتْهُ رُخْصَةٌ فَرَغِبَ عَنْهَا كُلِّفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَحْمِلَ ثِقَلَ تِنِّينٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ»

وَعَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِذَا اجْتَمَعَ أَمْرَانِ فَأَحَبُّهُمَا إِلَى اللَّه تَعَالَى أَيْسَرُهُمَا»

وَعَنْ كَعْبٍ: أَعْطَى اللَّه هذه الأمة ثلاثا لم يعطهم إِلَّا لِلْأَنْبِيَاءِ: «جَعَلَهُمْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ، وَمَا جَعَلَ عَلَيْهِمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ، وَقَالَ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ» .

السُّؤَالُ الثَّالِثُ: اسْتَدَلَّتِ الْمُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي الْمَنْعِ مِنْ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ، فَقَالُوا: لَمَّا خَلَقَ اللَّه الْكُفْرَ وَالْمَعْصِيَةَ فِي الْكَافِرِ وَالْعَاصِي ثُمَّ نَهَاهُ عَنْهُمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الْحَرَجِ وَذَلِكَ مَنْفِيٌّ بِصَرِيحِ هَذَا النَّصِّ وَالْجَوَابُ: لَمَّا أَمَرَهُ بِتَرْكِ الْكُفْرِ وَتَرْكُ الْكُفْرِ يَقْتَضِي انْقِلَابَ عِلْمِهِ جَهْلًا فَقَدْ أَمَرَ اللَّه الْمُكَلَّفَ بِقَلْبِ عِلْمِ اللَّه جَهْلًا وَذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الْحَرَجِ، وَلَمَّا اسْتَوَى الْقَدَمَانِ زَالَ السُّؤَالُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت