فهرس الكتاب

الصفحة 740 من 2716

قَالَ الْقَفَّالُ: الْمَعْنَى أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ وَإِنْ حَصَلَتْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا فَضِيلَةُ الْمُنَاكَحَةِ وَإِبَاحَةُ الذَّبَائِحِ فِي الدُّنْيَا إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ فِي أَحْوَالِ الْآخِرَةِ وَفِي الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، بَلْ كُلُّ مَنْ كَفَرَ باللَّه فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ فِي الدُّنْيَا وَلَمْ يَصِلْ إِلَى شَيْءٍ مِنَ السَّعَادَاتِ فِي الْآخِرَةِ ألْبَتَّةَ.

* قَوْلُهُ (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ) فِيهِ إِشْكَالٌ، وَهُوَ أَنَّ الْكُفْرَ إِنَّمَا يُعْقَلُ باللَّه وَرَسُولِهِ، فَأَمَّا الْكُفْرُ بِالْإِيمَانِ فَهُوَ مُحَالٌ، فَلِهَذَا السَّبَبِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى وُجُوهٍ:

الْأَوَّلُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ أَيْ وَمَنْ يَكْفُرْ باللَّه، إِنَّمَا حَسُنَ هَذَا الْمَجَازُ لِأَنَّهُ تَعَالَى رَبُّ الْإِيمَانِ، وَرَبُّ الشَّيْءِ قَدْ يُسَمَّى بَاسِمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ.

وَالثَّانِي: قَالَ الْكَلْبِيُّ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ أَيْ بِشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه، فَجَعَلَ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ إِيمَانًا، فَإِنَّ الْإِيمَانَ بِهَا لَمَّا كَانَ وَاجِبًا كَانَ الْإِيمَانُ مِنْ لَوَازِمِهَا بِحَسَبِ أَمْرِ الشَّرْعِ، وَإِطْلَاقُ اسْمِ الشيء على لا زمه مَجَازٌ مَشْهُورٌ.

وَالثَّالِثُ: قَالَ قَتَادَةُ: إِنَّ نَاسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَالُوا: كَيْفَ نَتَزَوَّجُ نِسَاءَهُمْ مَعَ كَوْنِهِمْ عَلَى غَيْرِ دِينِنَا! فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ أَيْ، وَمَنْ يَكْفُرْ بِمَا نَزَلَ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ كَذَا وَكَذَا، فَسَمَّى الْقُرْآنَ إِيمَانًا لِأَنَّهُ هُوَ الْمُشْتَمِلُ عَلَى بَيَانِ كُلِّ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي الْإِيمَانِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ) مَشْرُوطٌ بِشَرْطٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ فِي الْآيَةِ، وَهُوَ أَنْ يَمُوتَ عَلَى ذَلِكَ الْكُفْرِ، إِذْ لَوْ تَابَ عَنِ الْكُفْرِ لَمْ يَكُنْ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ هَذَا الشَّرْطِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ) [البقرة: 217] الآية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت