فهرس الكتاب
فِي الْآيَةِ سُؤَالَاتٌ:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ) دَخَلَ فِيهِ أن (لا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) فَكَانَ ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا تَكْرِيرًا؟
الْجَوَابُ: الْأَوَّلُ أَمْرٌ بِالْمَأْمُورَاتِ، وَالثَّانِي نَهْيٌ عَنِ الْمَنْهِيَّاتِ وَدَلَالَةُ أَحَدِهِمَا عَلَى الآخرة بِالِالْتِزَامِ لَا بِالتَّصْرِيحِ فَيَكُونُ التَّصْرِيحُ بِهِ مُفِيدًا.
السُّؤَالُ الثَّانِي: أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا كَانَ يُطِيعُ أَحَدًا مِنْهُمْ، فَمَا الْفَائِدَةُ فِي هَذَا النَّهْيِ؟
الْجَوَابُ: الْمَقْصُودُ بَيَانُ أَنَّ النَّاسَ مُحْتَاجُونَ إِلَى مُوَاصَلَةِ التَّنْبِيهِ وَالْإِرْشَادِ، لِأَجْلِ مَا تَرَكَّبَ فِيهِمْ مِنَ الشَّهَوَاتِ الدَّاعِيَةِ إِلَى الْفَسَادِ، وَأَنَّ أَحَدًا لَوِ اسْتَغْنَى عَنْ تَوْفِيقِ اللَّهِ وَإِمْدَادِهِ وَإِرْشَادِهِ، لَكَانَ أَحَقُّ النَّاسِ بِهِ هُوَ الرَّسُولَ الْمَعْصُومَ، وَمَتَى ظَهَرَ ذَلِكَ عَرَفَ كُلُّ مُسْلِمٍ، لأنه لَا بُدَّ لَهُ مِنَ الرَّغْبَةِ إِلَى اللَّهِ والتضرع إليه في أنه يَصُونَهُ عَنِ الشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ.
السُّؤَالُ الثَّالِثُ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْآثِمِ وَالْكَفُورِ؟
الْجَوَابُ: الْآثِمُ هُوَ الْمُقْدِمُ عَلَى الْمَعَاصِي أَيَّ مَعْصِيَةٍ كَانَتْ، وَالْكَفُورُ هو الجاحد للنعمة، فكل كفور آثم، أما ليس كُلُّ آثِمٍ كَفُورًا، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ الْآثِمَ عَامٌّ فِي الْمَعَاصِي كُلِّهَا لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْمًا عَظِيمًا) [النِّسَاءِ: 48] فَسَمَّى الشِّرْكَ إِثْمًا، وَقَالَ: (وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) [الْبَقَرَةِ: 283] وَقَالَ: (وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ) [الْأَنْعَامِ: 120] وَقَالَ: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ) [الْبَقَرَةِ: 219] فَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَاتُ عَلَى أَنَّ هَذَا الإثم
شَامِلٌ لِكُلِّ الْمَعَاصِي، وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَنْ عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ فَقَدِ اجْتَمَعَ فِي حَقِّهِ هَذَانِ الْوَصْفَانِ، لِأَنَّهُ لَمَّا عَبَدَ غَيْرَهُ، فَقَدْ عَصَاهُ وَجَحَدَ إِنْعَامَهُ.