قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ فِي قَوْلِهِ (وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا) [السَّجْدَةِ: 24] إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ إِنَّمَا اسْتَحَقُّوا تِلْكَ الدَّرَجَاتِ الْعَالِيَةَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِسَبَبِ الصَّبْرِ، وَيُرْوَى أَنَّهُ وَقَفَ رَجُلٌ على الشبلي، فَقَالَ: أَيُّ صَبْرٍ أَشَدُّ عَلَى الصَّابِرِينَ؟
فَقَالَ الصَّبْرُ فِي اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ لَا، فَقَالَ: الصَّبْرُ لِلَّهِ تَعَالَى فَقَالَ لَا فَقَالَ: الصَّبْرُ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ لَا قَالَ فَأَيْشِ؟
قَالَ: الصَّبْرُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، فَصَرَخَ الشِّبْلِيُّ صَرْخَةً كَادَتْ رُوحُهُ تَتْلَفُ.
* قَوْلُهُ (الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ) أَكْمَلُ مِنْ قَوْلِهِ: الَّذِينَ يَصْبِرُونَ وَيَصْدُقُونَ، لِأَنَّ قَوْلَهُ (الصَّابِرِينَ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى عَادَتُهُمْ وَخُلُقُهُمْ، وَأَنَّهُمْ لَا يَنْفَكُّونَ عَنْهَا.
* اعْلَمْ أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ أَنْوَاعًا مِنَ التَّكْلِيفِ، وَالصَّابِرُ هُوَ مَنْ يَصْبِرُ عَلَى أَدَاءِ جَمِيعِ أَنْوَاعِهَا، ثُمَّ إِنَّ الْعَبْدَ قَدْ يَلْتَزِمُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ أَنْوَاعًا أُخَرَ مِنَ الطَّاعَاتِ، وَإِمَّا بِسَبَبِ الشُّرُوعِ فِيهِ، وَكَمَالُ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ أَنَّهُ إِذَا الْتَزَمَ طَاعَةً أَنْ يُصَدِّقَ نَفْسَهُ فِي الْتِزَامِهِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَأْتِيَ بِذَلِكَ لِلْمُلْتَزِمِ مِنْ غَيْرِ خَلَلٍ ألْبَتَّةَ، وَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْمَرْتَبَةُ مُتَأَخِّرَةً عَنِ الْأُولَى، لَا جَرَمَ ذَكَرَ سُبْحَانَهُ الصَّابِرِينَ أَوَّلًا ثُمَّ قَالَ: (الصَّادِقِينَ) ثَانِيًا، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى نَدَبَ إِلَى الْمُوَاظَبَةِ عَلَى هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مِنَ الطَّاعَةِ، فَقَالَ: (وَالْقانِتِينَ) فَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ الثَّلَاثَةُ لِلتَّرْغِيبِ فِي الْمُوَاظَبَةِ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ ذَكَرَ الطَّاعَاتِ الْمُعَيَّنَةَ، وَكَانَ أَعْظَمَ الطَّاعَاتِ قَدْرًا أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا: الْخِدْمَةُ بِالْمَالِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «وَالشَّفَقَةُ عَلَى خَلْقِ الله»
فذكر هُنَا بِقَوْلِهِ وَالْمُنْفِقِينَ وَالثَّانِيَةُ: الْخِدْمَةُ بِالنَّفْسِ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ «التَّعْظِيمُ لِأَمْرِ اللَّهِ»
فَذَكَرَهُ هُنَا بِقَوْلِهِ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ».
«فَإِنْ قِيلَ» : فَلِمَ قَدَّمَ هَاهُنَا ذِكْرَ الْمُنْفِقِينَ عَلَى ذِكْرِ الْمُسْتَغْفِرِينَ، وَأَخَّرَ فِي قَوْلِهِ «التَّعْظِيمُ لِأَمْرِ اللَّهِ وَالشَّفَقَةُ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ» ؟
قُلْنَا: لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِي شَرْحِ عُرُوجِ الْعَبْدِ مِنَ الْأَدْنَى إِلَى الْأَشْرَفِ، فَلَا جَرَمَ وَقَعَ الْخَتْمُ بِذِكْرِ الْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ، وَقَوْلِهِ «التَّعْظِيمُ لِأَمْرِ اللَّهِ»
فِي شَرْحِ نُزُولِ الْعَبْدِ مِنَ الْأَشْرَفِ إِلَى الْأَدْنَى، فَلَا جَرَمَ كَانَ التَّرْتِيبُ بِالْعَكْسِ.