«فَإِنْ قِيلَ» : مَا مَعْنَى: (احْشُرُوا) مَعَ أَنَّهُمْ قَدْ حُشِرُوا مِنْ قَبْلُ وَحَضَرُوا فِي محفل القيامة وقالوا (هذا يَوْمُ الدِّينِ) [الصافات: 20] وَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ لَهُمْ بَلْ: (هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ) [الصافات: 21] ؟
أَجَابَ الْقَاضِي عَنْهُ، فَقَالَ الْمُرَادُ احْشُرُوهُمْ إِلَى دَارِ الْجَزَاءِ وَهِيَ النَّارُ، وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْدَهُ: (فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ) أَيْ خُذُوهُمْ إِلَى ذَلِكَ الطَّرِيقِ وَدُلُّوهُمْ عَلَيْهِ ثُمَّ سَأَلَ نَفْسَهُ فَقَالَ: كَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ وَقَدْ قَالَ بَعْدَهُ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئولُونَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ حَشْرَهُمْ إِلَى الْجَحِيمِ، إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الْمَسْأَلَةِ؟
وَأَجَابَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْعَطْفِ بِحَرْفِ الْوَاوِ تَرْتِيبٌ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُقَالَ: احْشُرُوهُمْ وَقِفُوهُمْ، مَعَ أَنَّا بِعُقُولِنَا نَعْلَمُ أَنَّ الْوُقُوفَ كَانَ قَبْلَ الْحَشْرِ إِلَى النَّارِ، هَذَا مَا قَالَهُ الْقَاضِي، وَعِنْدِي فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُمْ إِذَا قَامُوا مِنْ قُبُورِهِمْ لَمْ يَبْعُدْ أَنْ يَقِفُوا هُنَاكَ بِحَيْرَةٍ تَلْحَقُهُمْ بِسَبَبِ مُعَايَنَةِ أَهْوَالِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ، أَيْ سُوقُوهُمْ إِلَى طَرِيقِ جَهَنَّمَ وَقِفُوهُمْ هُنَاكَ وَتَحْصُلُ الْمَسْأَلَةُ هُنَاكَ ثُمَّ مِنْ هُنَاكَ يُسَاقُونَ إِلَى النَّارِ وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَظَاهِرُ النَّظْمِ مُوَافِقٌ لِمَا عَلَيْهِ الْوَجْهُ.