فهرس الكتاب

الصفحة 2128 من 2716

وَاعْلَمْ أَنَّ ظَاهِرُ هَذَا الْكَلَامِ يَقْتَضِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ بِالْإِتْيَانِ فَأَطَاعَا وَامْتَثَلَا وَعِنْدَ هَذَا حَصَلَ فِي الْآيَةِ قَوْلَانِ: الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: أَنْ نُجْرِيَ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى ظَاهِرِهَا فَنَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَهُمَا بِالْإِتْيَانِ فَأَطَاعَاهُ.

قَالَ الْقَائِلُونَ بِهَذَا الْقَوْلِ وَهَذَا غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ الْجِبَالَ أَنْ تَنْطِقَ مَعَ دَاوُودَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فقال: (يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ) [سَبَأٍ: 10] وَاللَّهُ تَعَالَى تَجَلَّى لِلْجَبَلِ قَالَ: (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ) [الْأَعْرَافِ: 143] وَاللَّهُ تَعَالَى أَنْطَقَ الْأَيْدِيَ وَالْأَرْجُلَ فَقَالَ: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) [النور: 24] وإذا كَانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يُسْتَبْعَدُ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ فِي ذَاتِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ حَيَاةً وَعَقْلًا وَفَهْمًا، ثُمَّ يُوَجِّهُ الْأَمْرَ وَالتَّكْلِيفَ عَلَيْهِمَا، وَيَتَأَكَّدُ هَذَا الِاحْتِمَالُ بِوُجُوهٍ:

الْأَوَّلُ: أَنَّ الْأَصْلَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى ظَاهِرِهِ إِلَّا إِذَا مَنَعَ مِنْهُ مَانِعٌ، وهاهنا لَا مَانِعَ، فَوَجَبَ إِجْرَاؤُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ

الثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ عَنْهُمَا، فَقَالَ: (قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ) وَهَذَا الْجَمْعُ جَمْعُ مَا يَعْقِلُ وَيَعْلَمُ.

الثَّالِثُ: قوله تَعَالَى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها) [الْأَحْزَابِ: 72] وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهَا عَارِفَةً بِاللَّهِ، مَخْصُوصَةً بِتَوْجِيهِ تَكَالِيفِ اللَّهِ عَلَيْهَا

الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: (فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا) لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ تَوْجِيهَ الْأَمْرِ وَالتَّكْلِيفِ عَلَى السماوات وَالْأَرْضِ بَلِ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّهُ أَرَادَ تَكْوِينَهُمَا فَلَمْ يَمْتَنِعَا عَلَيْهِ وَوُجِدَتَا كَمَا أَرَادَهُمَا، وَكَانَتَا في ذلك كالمأمور الْمُطِيعِ إِذَا وَرَدَ عَلَيْهِ أَمْرُ الْأَمِيرِ الْمُطَاعِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُ الْقَائِلِ:

قَالَ الْجِدَارُ لِلْوَتِدِ لِمَ تَشُقُّنِي؟

قَالَ الْوَتِدُ: اسْأَلْ مَنْ يَدُقُّنِي، فَإِنَّ الْحَجَرَ الَّذِي وَرَائِي مَا خَلَّانِي وَرَائِي.

وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا عُدُولٌ عَنِ الظَّاهِرِ، وَإِنَّمَا جَازَ الْعُدُولُ عَنِ الظَّاهِرِ إِذَا قَامَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إِجْرَاؤُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ قَوْلَهُ ائْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا إِنَّمَا حَصَلَ قَبْلَ وُجُودِهِمَا، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ حَمْلُ قَوْلِهِ ائْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا عَلَى الْأَمْرِ وَالتَّكْلِيفِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا.

وَاعْلَمْ أَنَّ إِثْبَاتَ الْأَمْرِ وَالتَّكْلِيفِ فِيهِمَا مَشْرُوطٌ بِحُصُولِ الْمَأْمُورِ فِيهِمَا، وَهَذَا يَدُلُّ على أنه تعالى أسكن هذه السماوات الْمَلَائِكَةَ، أَوْ أَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَهُمْ بِأَشْيَاءَ وَنَهَاهُمْ عَنْ أَشْيَاءَ، وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ على أنه إنما خلق الملائكة مع السماوات، أو أنه تعالى خلقهم قبل السماوات، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى أَسْكَنَهُمْ فِيهَا، وَأَيْضًا لَيْسَ فِي الْآيَةِ بَيَانُ الشَّرَائِعِ الَّتِي أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ بِهَا، وَهَذِهِ الْأَسْرَارُ لَا تَلِيقُ بِعُقُولِ الْبَشَرِ، بَلْ هِيَ أَعْلَى مِنْ مَصَاعِدِ أَفْهَامِهِمْ وَمَرَامِي أَوْهَامِهِمْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت