وَالْمُرَادُ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ قَوْلِهِ (مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ) أُمُورٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ مَا أَرَاهُمْ مِنَ الصَّاعِقَةِ بَيِّنَاتٍ، فَإِنَّ الصَّاعِقَةَ وَإِنْ كَانَتْ شَيْئًا وَاحِدًا إِلَّا أَنَّهَا كَانَتْ دَالَّةً عَلَى قُدْرَةِ اللَّه تَعَالَى وَعَلَى عِلْمِهِ وَعَلَى قِدَمِهِ، وَعَلَى كَوْنِهِ مُخَالِفًا لِلْأَجْسَامِ وَالْأَعْرَاضِ وَعَلَى صِدْقِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي دَعْوَى النُّبُوَّةِ.
وَثَانِيهَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَيِّنَاتِ إِنْزَالُ الصَّاعِقَةِ وَإِحْيَاؤُهُمْ بعد ما أَمَاتَهُمْ.
وَثَالِثُهَا: أَنَّهُمْ إِنَّمَا عَبَدُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ أَنْ شَاهَدُوا مُعْجِزَاتِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ الَّتِي كَانَ يُظْهِرُهَا فِي زَمَانِ فِرْعَوْنَ، وَهِيَ الْعَصَا وَالْيَدُ الْبَيْضَاءُ وَفَلْقُ الْبَحْرِ وَغَيْرُهَا مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الْقَاهِرَةِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ ذَلِكَ الْكَلَامِ أَنَّ هَؤُلَاءِ يَطْلُبُونَ مِنْكَ يَا مُحَمَّدُ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَاعْلَمْ يَا مُحَمَّدُ أَنَّهُمْ لَا يَطْلُبُونَهُ مِنْكَ إِلَّا عِنَادًا وَلَجَاجًا، فَإِنَّ مُوسَى قَدْ أَنْزَلَ اللَّه عَلَيْهِ هَذَا الْكِتَابَ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ سَائِرَ الْمُعْجِزَاتِ الْقَاهِرَةِ، ثُمَّ إِنَّهُمْ طَلَبُوا الرُّؤْيَةَ عَلَى سَبِيلِ الْعِنَادِ وَأَقْبَلُوا عَلَى عِبَادَةِ الْعِجْلِ، وَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ مَجْبُولُونَ عَلَى اللَّجَاجِ وَالْعِنَادِ وَالْبُعْدِ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ.