فهرس الكتاب

الصفحة 864 من 2716

وَفِي الْمُرَادِ بِالْكِتَابِ قَوْلَانِ:

الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: الْمُرَادُ مِنْهُ الْكِتَابُ الْمَحْفُوظُ في العرش وعالم السماوات الْمُشْتَمِلُ عَلَى جَمِيعِ أَحْوَالِ الْمَخْلُوقَاتِ عَلَى التَّفْصِيلِ التَّامِّ، كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» .

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْقُرْآنُ، وَهَذَا أَظْهَرُ لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ إِذَا دَخَلَا عَلَى الِاسْمِ الْمُفْرَدِ انْصَرَفَ إِلَى الْمَعْهُودِ السَّابِقِ، وَالْمَعْهُودُ السَّابِقُ مِنَ الْكِتَابِ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ هُوَ الْقُرْآنُ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الْكِتَابِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْقُرْآنَ.

إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: كَيْفَ قَالَ تَعَالَى: (مَا فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ) مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَفَاصِيلُ عِلْمِ الطِّبِّ وَتَفَاصِيلُ عِلْمِ الْحِسَابِ، وَلَا تَفَاصِيلُ كَثِيرٍ مِنَ الْمَبَاحِثِ وَالْعُلُومِ، وَلَيْسَ فِيهِ أَيْضًا تَفَاصِيلُ مَذَاهِبِ النَّاسِ وَدَلَائِلِهِمْ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ؟

وَالْجَوَابُ: أَنَّ قَوْلَهُ (مَا فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ) يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِبَيَانِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي يَجِبُ مَعْرِفَتُهَا، وَالْإِحَاطَةُ بِهَا وَبَيَانُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:

الْأَوَّلُ: أَنَّ لَفْظَ التَّفْرِيطِ لَا يُسْتَعْمَلُ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا إِلَّا فِيمَا يَجِبُ أَنْ يُبَيَّنَ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يُنْسَبُ إِلَى التَّفْرِيطِ وَالتَّقْصِيرِ فِي أَنْ لَا يَفْعَلَ مَا لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا يُذْكَرُ هَذَا اللَّفْظُ فِيمَا إِذَا قَصَّرَ فِيمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ.

الثَّانِي: أَنَّ جَمِيعَ آيَاتِ الْقُرْآنِ أَوِ الْكَثِيرَ مِنْهَا دَالَّةٌ بِالْمُطَابَقَةِ أَوِ التَّضَمُّنِ أَوِ الِالْتِزَامِ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ إِنْزَالِ هَذَا الْكِتَابِ بَيَانُ الدِّينِ وَمَعْرِفَةُ اللَّه وَمَعْرِفَةُ أَحْكَامِ اللَّه، وَإِذَا كَانَ هَذَا التَّقْيِيدُ مَعْلُومًا مِنْ كُلِّ

القرآن كان المطلق هاهنا مَحْمُولًا عَلَى ذَلِكَ الْمُقَيَّدِ.

أَمَّا قَوْلُهُ إِنَّ هَذَا الْكِتَابَ غَيْرُ مُشْتَمِلٍ عَلَى جَمِيعِ عُلُومِ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ.

فَنَقُولُ: أَمَّا عِلْمُ الْأُصُولِ فَإِنَّهُ بِتَمَامِهِ حَاصِلٌ فِيهِ لِأَنَّ الدَّلَائِلَ الْأَصْلِيَّةَ مَذْكُورَةٌ فِيهِ عَلَى أَبْلَغِ الْوُجُوهِ: فَأَمَّا رِوَايَاتُ الْمَذَاهِبِ وَتَفَاصِيلُ الْأَقَاوِيلِ، فَلَا حَاجَةَ إِلَيْهَا، وَأَمَّا تَفَاصِيلُ علم الفروع فنقول: للعلماء هاهنا قَوْلَانِ:

الْأَوَّلُ: أَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّ الْقُرْآنَ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ وَخَبَرَ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسَ حُجَّةٌ فِي الشَّرِيعَةِ فَكُلُّ مَا دَلَّ عَلَيْهِ أَحَدُ هذه الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ، كَانَ ذَلِكَ فِي الْحَقِيقَةِ مَوْجُودًا فِي الْقُرْآنِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت