فهرس الكتاب

الصفحة 782 من 2716

غَلُّ الْيَدِ وَبَسْطُهَا مَجَازٌ مَشْهُورٌ عَنِ الْبُخْلِ وَالْجُودِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ) [الإسراء: 29] قَالُوا: وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّ الْيَدَ آلَةٌ لِأَكْثَرِ الْأَعْمَالِ لَا سِيَّمَا لِدَفْعِ الْمَالِ وَلِإِنْفَاقِهِ، فَأَطْلَقُوا اسْمَ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبِّبِ، وَأَسْنَدُوا الْجُودَ وَالْبُخْلَ إِلَى الْيَدِ وَالْبَنَانِ وَالْكَفِّ وَالْأَنَامِلِ.

فَقِيلَ لِلْجَوَادِ: فَيَّاضُ الْكَفِّ مَبْسُوطُ الْيَدِ، وَبَسِطُ الْبَنَانِ تَرِهُ الْأَنَامِلِ.

وَيُقَالُ لِلْبَخِيلِ: كَزُّ الْأَصَابِعِ مَقْبُوضُ الْكَفِّ جَعْدُ الْأَنَامِلِ.

«فَإِنْ قِيلَ» : فَلَمَّا كَانَ قَوْلُهُ (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) الْمُرَادُ مِنْهُ الْبُخْلُ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ الْمُرَادُ مِنْهُ أَيْضًا الْبُخْلُ لِتَصِحَّ الْمُطَابَقَةُ، وَالْبُخْلُ مِنَ الصِّفَاتِ الْمَذْمُومَةِ الَّتِي نَهَى اللَّه تَعَالَى عَنْهَا، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَدْعُوَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ؟

قُلْنَا: قَوْلُهُ (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) عِبَارَةٌ عَنْ عَدَمِ الْمُكْنَةِ مِنَ الْبَذْلِ وَالْإِعْطَاءِ، ثُمَّ إِنَّ عَدَمَ الْمُكْنَةِ مِنَ الْإِعْطَاءِ تَارَةً يَكُونُ لِأَجْلِ الْبُخْلِ وَتَارَةً يَكُونُ لِأَجْلِ الْفَقْرِ، وَتَارَةً يَكُونُ لِأَجْلِ الْعَجْزِ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ دُعَاءٌ عَلَيْهِمْ بِعَدَمِ الْقُدْرَةِ وَالْمُكْنَةِ سَوَاءٌ حَصَلَ ذَلِكَ بِسَبَبِ الْعَجْزِ أَوِ الْفَقْرِ أَوِ الْبُخْلِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَإِنَّهُ يَزُولُ الْإِشْكَالُ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا فِيهِ وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ دُعَاءٌ عَلَيْهِمْ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى يُعَلِّمُنَا أَنْ نَدْعُوَ عَلَيْهِمْ بِهَذَا الدُّعَاءِ كَمَا عَلَّمَنَا الِاسْتِثْنَاءَ فِي قَوْلِهِ (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) [الْفَتْحِ: 27] وَكَمَا عَلَّمَنَا الدُّعَاءَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ فِي قَوْلِهِ (فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا) [الْبَقَرَةِ: 10] وَعَلَى أَبِي لَهَبٍ فِي قَوْلِهِ (تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ) [الْمَسَدِ: 1]

الثَّانِي: أَنَّهُ إِخْبَارٌ.

قَالَ الْحَسَنُ: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ فِي نَارِ جَهَنَّمَ عَلَى الْحَقِيقَةِ، أَيْ شُدَّتْ إِلَى أَعْنَاقِهِمْ جَزَاءً لَهُمْ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ.

«فَإِنْ قِيلَ» : فَإِذَا كَانَ هَذَا الْغُلُّ إِنَّمَا حُكِمَ بِهِ جَزَاءً لَهُمْ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: فَغُلَّتْ أَيْدِيهِمْ؟

قُلْنَا: حُذِفَ الْعَطْفُ وَإِنْ كَانَ مُضْمَرًا إِلَّا أَنَّهُ حُذِفَ لِفَائِدَةٍ، وَهِيَ أَنَّهُ لَمَّا حُذِفَ كَانَ قَوْلُهُ (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ) كَالْكَلَامِ الْمُبْتَدَأِ بِهِ، وَكَوْنُ الْكَلَامِ مُبْتَدَأً بِهِ يَزِيدُهُ قُوَّةً وَوَثَاقَةً لِأَنَّ الِابْتِدَاءَ بِالشَّيْءِ يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ الِاهْتِمَامِ بِهِ وَقُوَّةِ الِاعْتِنَاءِ بِتَقْرِيرِهِ، وَنَظِيرُ هَذَا الْمَوْضِعِ فِي حَذْفِ فَاءِ التَّعْقِيبِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُوًا) [الْبَقَرَةِ: 67] وَلَمْ يَقُلْ: فَقَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا.

وَأَمَّا قَوْلُهُ (وَلُعِنُوا بِما قالُوا) قَالَ الْحَسَنُ: عُذِّبُوا فِي الدُّنْيَا بِالْجِزْيَةِ وَفِي الْآخِرَةِ بِالنَّارِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت