«فَإِنْ قِيلَ» : كَيْفَ قَالَ: (لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً) مَعَ أَنَّهُ يَعْلَمُ بَعْضَ الْأَشْيَاءِ كَالطِّفْلِ؟
قُلْنَا الْمُرَادُ أَنَّهُ يَزُولُ عَقْلُهُ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ شَيْئًا لِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ قَدْ يُذْكَرُ فِي النَّفْيِ لِأَجْلِ الْمُبَالَغَةِ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ هَذِهِ الْحَالَةُ لَا تَحْصُلُ لِلْمُؤْمِنِينَ لِقوله تَعَالَى: (ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) وَهُوَ ضَعِيفٌ.
لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: (ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ) [التين: 5] هُوَ دَلَالَةٌ عَلَى الذَّمِّ فَالْمُرَادُ بِهِ مَا يَجْرِي مَجْرَى الْعُقُوبَةِ وَلِذَلِكَ قَالَ: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) [التِّينِ: 6] فَهَذَا تَمَامُ الِاسْتِدْلَالِ بِحَالِ خِلْقَةِ الْحَيَوَانِ عَلَى صِحَّةِ الْبَعْثِ.
«فَإِنْ قِيلَ» : فَأَيُّ مَنْفَعَةٍ لِذِكْرِ مَرَاتِبِ خِلْقَةِ الْحَيَوَانَاتِ وَخِلْقَةِ النَّبَاتِ فِي هَذِهِ الدَّلَالَةِ؟
قُلْنَا إِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ الْمُمْكِنَاتِ وَعَالِمٌ بِكُلِّ الْمَعْلُومَاتِ، وَمَتَى صَحَّ ذَلِكَ فَقَدْ صَحَّ كَوْنُ الْإِعَادَةِ مُمْكِنَةً فَإِنَّ الْخَصْمَ لَا يُنْكِرُ الْمَعَادَ إِلَّا بِنَاءً عَلَى إِنْكَارِ أَحَدِ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى حَيْثُ أَقَامَ الدَّلَالَةَ عَلَى الْبَعْثِ فِي كِتَابِهِ ذَكَرَ مَعَهُ كَوْنَهُ قَادِرًا عَالِمًا كَقَوْلِهِ: (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) [يس: 79] فَقَوْلُهُ: (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها) بَيَانٌ لِلْقُدْرَةِ وَقَوْلُهُ: (وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) بَيَانٌ للعلم، واللَّه أعلم.