فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 2716

(اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ(6)

لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لِمَ قَالَ (اهْدِنَا) وَلَمْ يَقُلْ اهْدِنِي؟

وَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ:

الْأَوَّلُ: أَنَّ الدُّعَاءَ كُلَّمَا كَانَ أَعَمَّ كَانَ إِلَى الْإِجَابَةِ أَقْرَبُ.

كَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يقول لتلامذته: إذ قَرَأْتُمْ فِي خُطْبَةِ السَّابِقِ «وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ وَعَنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ» إِنْ نَوَيْتَنِي فِي قَوْلِكَ «رَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ» فَحَسَنٌ، وَإِلَّا فَلَا حَرَجَ، وَلَكِنْ إِيَّاكَ وَأَنْ تَنْسَانِي فِي قَوْلِكَ «وَعَنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ» لِأَنَّ قَوْلَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ تَخْصِيصٌ بِالدُّعَاءِ فَيَجُوزُ أَنْ لَا يُقْبَلَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ وَعَنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ فِي الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْإِجَابَةَ، وَإِذَا أَجَابَ اللَّهُ الدُّعَاءَ فِي الْبَعْضِ فَهُوَ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يَرُدَّهُ فِي الْبَاقِي، وَلِهَذَا السَّبَبِ فَإِنَّ السُّنَّةَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَذْكُرَ دُعَاءً أَنْ يُصَلِّيَ أَوَّلًا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَدْعُو ثُمَّ يَخْتِمُ الْكَلَامَ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَانِيًا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُجِيبُ الدَّاعِيَ فِي صَلَاتِهِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ إِذَا أُجِيبَ فِي طَرَفَيْ دُعَائِهِ امْتَنَعَ أَنْ يُرَدَّ فِي وَسَطِهِ.

الثَّانِي: قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «ادْعُوا اللَّهَ بِأَلْسِنَةٍ مَا عَصَيْتُمُوهُ بِهَا، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ لَنَا بِتِلْكَ الْأَلْسِنَةِ، قَالَ يَدْعُو بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ، لِأَنَّكَ مَا عَصَيْتَ بِلَسَانِهِ وَهُوَ مَا عَصَى بِلِسَانِكَ.

وَالثَّالِثُ: كَأَنَّهُ يَقُولُ: أَيُّهَا الْعَبْدُ، أَلَسْتَ قُلْتَ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ (الْحَمْدُ لِلَّهِ) وَمَا قُلْتَ أَحْمَدُ اللَّهَ فَذَكَرْتَ أَوَّلًا حَمْدَ جَمِيعِ الْحَامِدِينَ فَكَذَلِكَ فِي وَقْتِ الدُّعَاءِ أَشْرِكْهُمْ فَقُلِ اهْدِنَا.

الرَّابِعُ: كَأَنَّ الْعَبْدَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَكَ يَقُولُ: الْجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ، وَالْفُرْقَةُ عَذَابٌ، فَلَمَّا أَرَدْتُ تَحْمِيدَكَ ذَكَرْتُ حَمْدَ الْجَمِيعِ فَقُلْتُ الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَمَّا ذَكَرْتُ الْعِبَادَةَ ذَكَرْتُ عِبَادَةَ الْجَمِيعِ فَقُلْتُ إِيَّاكَ نَعْبُدُ، وَلَمَّا ذَكَرْتُ الِاسْتِعَانَةَ ذَكَرْتُ اسْتِعَانَةَ الْجَمِيعِ فَقُلْتُ (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) فَلَا جَرَمَ لَمَّا طَلَبْتُ الْهِدَايَةَ طَلَبْتُهَا لِلْجَمِيعِ فَقُلْتُ (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) وَلَمَّا طَلَبْتُ الِاقْتِدَاءَ بِالصَّالِحِينَ طَلَبْتُ الِاقْتِدَاءَ بِالْجَمِيعِ فَقُلْتُ (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) وَلَمَّا طَلَبْتُ الْفِرَارَ مِنَ الْمَرْدُودِينَ فَرَرْتُ مِنَ الْكُلِّ فَقُلْتُ (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) فَلَمَّا لَمْ أفارق

الْأَنْبِيَاءَ وَالصَّالِحِينَ فِي الدُّنْيَا فَأَرْجُو أَنْ لَا أُفَارِقَهُمْ فِي الْقِيَامَةِ، قَالَ تَعَالَى: (فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ) [النِّسَاءِ: 69] الآية.

الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: اعْلَمْ أَنَّ أَهْلَ الْهَنْدَسَةِ قَالُوا الْخَطُّ الْمُسْتَقِيمُ هُوَ أَقْصَرُ خَطٍّ يَصِلُ بَيْنَ نُقْطَتَيْنِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْخَطَّ الْمُسْتَقِيمَ أَقْصَرُ مِنْ جَمِيعِ الْخُطُوطِ الْمُعْوَجَّةِ، فَكَأَنَّ الْعَبْدَ يَقُولُ: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) لِوُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ أَقْرَبُ الْخُطُوطِ وَأَقْصَرُهَا، وَأَنَا عَاجِزٌ فَلَا يَلِيقُ بِضَعْفِي إِلَّا الطَّرِيقُ الْمُسْتَقِيمُ.

الثَّانِي: أَنَّ الْمُسْتَقِيمَ وَاحِدٌ وَمَا عَدَاهُ مُعْوَجَّةٌ وَبَعْضُهَا يُشْبِهُ بَعْضًا فِي الِاعْوِجَاجِ فَيَشْتَبِهُ الطَّرِيقُ عَلَيَّ، أَمَّا الْمُسْتَقِيمُ فَلَا يُشَابِهُهُ غَيْرُهُ فَكَانَ أَبْعَدَ عَنِ الْخَوْفِ وَالْآفَاتِ وَأَقْرَبَ إِلَى الْأَمَانِ.

الثَّالِثُ: الطَّرِيقُ الْمُسْتَقِيمُ يُوصِلُ إِلَى الْمَقْصُودِ، وَالْمُعْوَجُّ لَا يُوصِلُ إِلَيْهِ.

وَالرَّابِعُ: الْمُسْتَقِيمُ لَا يَتَغَيَّرُ، وَالْمُعْوَجُّ يَتَغَيَّرُ، فَلِهَذِهِ الْأَسْبَابِ سَأَلَ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت