فهرس الكتاب

الصفحة 1608 من 2716

وَهَاهُنَا سُؤَالَاتٌ:

السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: مَا الْمُرَادُ بِهَذَا الدِّفَاعِ الَّذِي أَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ؟

الْجَوَابُ: هُوَ إِذْنُهُ لِأَهْلِ دِينِهِ بِمُجَاهَدَةِ الْكُفَّارِ فَكَأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى: وَلَوْلَا دِفَاعُ اللَّه أَهْلَ الشِّرْكِ بِالْمُؤْمِنِينَ، مِنْ حَيْثُ يَأْذَنُ لَهُمْ فِي جِهَادِهِمْ وَيَنْصُرُهُمْ عَلَى أَعْدَائِهِمْ لَاسْتَوْلَى أَهْلُ الشِّرْكِ عَلَى أَهْلِ الْأَدْيَانِ وَعَطَّلُوا مَا يَبْنُونَهُ مِنْ مَوَاضِعِ الْعِبَادَةِ، وَلَكِنَّهُ دَفَعَ عَنْ هَؤُلَاءِ بِأَنْ أَمَرَ بِقِتَالِ أَعْدَاءِ الدِّينِ لِيَتَفَرَّغَ أَهْلُ الدِّينِ لِلْعِبَادَةِ وَبِنَاءِ الْبُيُوتِ لَهَا، وَلِهَذَا الْمَعْنَى ذَكَرَ الصَّوَامِعَ وَالْبِيَعَ وَالصَّلَوَاتِ وَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ وُجُوهًا أُخَرَ:

أَحَدُهَا: قَالَ الْكَلْبِيُّ يَدْفَعُ اللَّه بِالنَّبِيِّينَ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ وَبِالْمُجَاهِدِينَ عَنِ الْقَاعِدِينَ عَنِ الْجِهَادِ

وَثَانِيهَا: رَوَى أَبُو الْجَوْزَاءِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا قَالَ يَدْفَعُ اللَّه بِالْمُحْسِنِ عَنِ الْمُسِيءِ، وَبِالَّذِي يُصَلِّي عَنِ الَّذِي لَا يُصَلِّي، وَبِالَّذِي يَتَصَدَّقُ عَنِ الَّذِي لَا يَتَصَدَّقُ وَبِالَّذِي يَحُجُّ عَنِ الَّذِي لَا يَحُجُّ،

وَعَنِ ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَّ اللَّه يَدْفَعُ بِالْمُسْلِمِ الصَّالِحِ عَنْ مِائَةٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَمِنْ جِيرَانِهِ» ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ.

وَثَالِثُهَا: قَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا يَدْفَعُ بِدِينِ الْإِسْلَامِ وَبِأَهْلِهِ عَنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ

وَرَابِعُهَا: قَالَ مُجَاهِدٌ يَدْفَعُ عَنِ الْحُقُوقِ بِالشُّهُودِ وَعَنِ النُّفُوسِ بِالْقِصَاصِ.

السُّؤَالُ الثَّانِي: لِمَاذَا جَمَعَ اللَّه بَيْنَ مَوَاضِعِ عِبَادَاتِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَبَيْنَ مَوَاضِعِ عِبَادَةِ الْمُسْلِمِينَ؟

الْجَوَابُ: لِأَجْلِ مَا سَأَلْتَ عَنْهُ اخْتَلَفُوا عَلَى وُجُوهٍ:

أَحَدُهَا: قَالَ الْحَسَنُ الْمُرَادُ بِهَذِهِ الْمَوَاضِعِ أَجْمَعَ مَوَاضِعُ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الْعِبَارَاتُ عَنْهَا

وَثَانِيهَا: قَوْلُ الزَّجَّاجِ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّه النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَ فِي شَرْعِ كُلِّ نَبِيٍّ الْمَكَانُ الَّذِي يُصَلَّى فِيهِ، فَلَوْلَا ذَلِكَ الدَّفْعُ لَهُدِّمَ فِي زَمَنِ مُوسَى الْكَنَائِسُ الَّتِي كَانُوا يُصَلُّونَ فِيهَا فِي شَرْعِهِ، وَفِي زَمَنِ عِيسَى الصَّوَامِعُ، وَفِي زَمَنِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسَاجِدُ فَعَلَى هَذَا إِنَّمَا دُفِعَ عَنْهُمْ حِينَ كَانُوا عَلَى الْحَقِّ قَبْلَ التَّحْرِيفِ وَقَبْلَ النَّسْخِ.

وَثَالِثُهَا: بَلِ الْمُرَادُ لَهُدِّمَتْ هَذِهِ الصَّوَامِعُ فِي أَيَّامِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ يَجْرِي فِيهَا ذِكْرُ اللَّه تَعَالَى فَلَيْسَتْ بِمَنْزِلَةِ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ.

السُّؤَالُ الثَّالِثُ: مَا الصَّوَامِعُ وَالْبِيَعُ وَالصَّلَوَاتُ وَالْمَسَاجِدُ؟

الْجَوَابُ: ذَكَرُوا فِيهَا وُجُوهًا:

أَحَدُهَا: الصَّوَامِعُ لِلنَّصَارَى وَالْبِيَعُ لِلْيَهُودِ وَالصَّلَوَاتُ لِلصَّابِئِينَ وَالْمَسَاجِدُ لِلْمُسْلِمِينَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ.

وَثَانِيهَا: الصَّوَامِعُ لِلنَّصَارَى وَهِيَ الَّتِي بَنَوْهَا فِي الصَّحَارَى وَالْبِيَعُ لَهُمْ أَيْضًا وَهِيَ الَّتِي يَبْنُونَهَا فِي الْبَلَدِ وَالصَّلَوَاتُ لِلْيَهُودِ، قَالَ الزَّجَّاجُ وَهِيَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ صَلُوتَا.

وَثَالِثُهَا: الصَّوَامِعُ لِلصَّابِئِينَ وَالْبِيَعُ لِلنَّصَارَى وَالصَّلَوَاتُ لِلْيَهُودِ عَنْ قَتَادَةَ

وَرَابِعُهَا: أَنَّهَا بِأَسْرِهَا أَسْمَاءُ الْمَسَاجِدِ عَنِ الْحَسَنِ، أَمَّا الصَّوَامِعُ فَلِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ يَتَّخِذُونَ الصَّوَامِعَ، وَأَمَّا الْبِيَعُ فَأُطْلِقَ هَذَا الِاسْمُ عَلَى الْمَسَاجِدِ عَلَى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ، وَأَمَّا الصَّلَوَاتُ فَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَوْلَا ذَلِكَ الدَّفْعُ لَانْقَطَعَتِ الصَّلَوَاتُ وَلَخُرِّبَتِ الْمَسَاجِدُ.

السُّؤَالُ الرَّابِعُ: الصَّلَوَاتُ كَيْفَ تُهَدَّمُ خُصُوصًا عَلَى تَأْوِيلِ مَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى صَلَاةِ الْمُسْلِمِينَ؟

الْجَوَابُ: مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: الْمُرَادُ بِهَدْمِ الصَّلَاةِ إِبْطَالُهَا وَإِهْلَاكُ مَنْ يَفْعَلُهَا كَقَوْلِهِمْ هَدَمَ فُلَانٌ إِحْسَانَ فُلَانٍ إِذَا قَابَلَهُ بِالْكُفْرِ دُونَ الشُّكْرِ.

وَثَانِيهَا: بَلِ الْمُرَادُ مَكَانُ الصلوات لأنه الذي يصح هدمه كقوله: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) [يُوسُفَ: 82] أَيْ أَهْلَهَا.

وَثَالِثُهَا: لَمَّا كَانَ الأغلب فيما ذكر ما يصح أن أَنْ يُهَدَّمَ جَازَ ضَمُّ مَا لَا يَصِحُّ أَنْ يُهَدَّمَ إِلَيْهِ، كَقَوْلِهِمْ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحًا، وَإِنْ كَانَ الرُّمْحُ لَا يُتَقَلَّدُ.

السُّؤَالُ الْخَامِسُ: قَوْلُهُ: (يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا) مُخْتَصٌّ بِالْمَسَاجِدِ أَوْ عَائِدٌ إِلَى الْكُلِّ؟

الْجَوَابُ: قَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ عَائِدٌ إِلَى الْكُلِّ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى يُذْكَرُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ كَثِيرًا، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالْمَسَاجِدِ تَشْرِيفًا لَهَا بِأَنَّ ذِكْرَ اللَّه يَحْصُلُ فِيهَا كَثِيرًا.

السُّؤَالُ السَّادِسُ: لِمَ قَدَّمَ الصَّوَامِعَ وَالْبِيَعَ فِي الذِّكْرِ عَلَى الْمَسَاجِدِ؟

الْجَوَابُ: لِأَنَّهَا أَقْدَمُ فِي الْوُجُودِ، وَقِيلَ أَخَّرَهَا فِي الذِّكْرِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: (وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ) [فَاطِرٍ: 32] وَلِأَنَّ أَوَّلَ الْفِكْرِ آخِرُ الْعَمَلِ، فَلَمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرَ الرُّسُلِ وَأُمَّتُهُ خَيْرَ الْأُمَمِ لَا جَرَمَ كَانُوا آخِرَهُمْ وَلِذَلِكَ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت