قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ)
وَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: مَا الْوَجْهُ فِي اتِّصَافِ الضَّلَالِ بِالْبَعِيدِ؟
نَقُولُ الضَّالُّ يَكُونُ أَكْثَرَ ضَلَالًا عَنِ الطَّرِيقِ، فَإِذَا تَمَادَى فِي الضَّلَالِ وَبَقِيَ فِيهِ مُدَّةً يَبْعُدُ عَنِ الْمَقْصِدِ كَثِيرًا، وَإِذَا عَلِمَ الضَّلَالَ قَصَّرَ فِي الطَّرِيقِ مِنْ قَرِيبٍ فَلَا يَبْعُدُ عَنِ الْمَقْصِدِ كَثِيرًا، فَقَوْلُهُ ضَلالٍ بَعِيدٍ وَصْفُ الْمَصْدَرِ بِمَا يُوصَفُ بِهِ الْفَاعِلُ، كَمَا يُقَالُ كَلَامٌ صَادِقٌ وَعِيشَةٌ رَاضِيَةٌ أَيْ ضَلَالٌ ذُو بُعْدٍ، وَالضَّلَالُ إِذَا بَعُدَ مَدَاهُ وَامْتَدَّ الضَّالُّ فِيهِ يَصِيرُ بَيِّنًا وَيَظْهَرُ الضَّلَالُ، لِأَنَّ مَنْ حَادَ عَنِ
الطَّرِيقِ وَأَبْعَدَ عَنْهُ تَتَغَيَّرَ عَلَيْهِ السِّمَاتُ وَالْجِهَاتُ وَلَا يَرَى عَيْنَ الْمَقْصِدِ وَيَتَبَيَّنُ لَهُ أَنَّهُ ضَلَّ عَنِ الطَّرِيقِ، وَرُبَّمَا يَقَعُ فِي أَوْدِيَةٍ وَمَفَاوِزَ وَيَظْهَرُ لَهُ أَمَارَاتُ الضَّلَالِ بِخِلَافِ مَنْ حَادَ قَلِيلًا، فَالضَّلَالُ وَصَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْوَصْفَيْنِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَوَاضِعِ فَقَالَ تَارَةً فِي ضَلالٍ مُبِينٍ وَأُخْرَى قَالَ: (فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ) .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ) إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ (إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) [الْحِجْرِ: 40] وَقوله تَعَالَى: (إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ) [الْحِجْرِ: 42] أَيْ لَمْ يَكُونُوا مِنَ الْعِبَادِ، فَجَعَلَهُمْ أَهْلَ الْعِنَادِ، وَلَوْ كَانَ لَهُمْ فِي سَبِيلِكَ قَدَمُ صِدْقٍ لَمَا كَانَ لِي عَلَيْهِمْ مِنْ يَدٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: كَيْفَ قَالَ (مَا أَطْغَيْتُهُ) مَعَ أَنَّهُ قَالَ: (لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) [الْحِجْرِ: 39] ؟
قُلْنَا الْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ وَجْهَانِ: قَدْ تَقَدَّمَا فِي الِاعْتِذَارِ عَمَّا قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ [1] .
وَالثَّالِثُ: هُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ (لَأُغْوِيَنَّهُمْ) أَيْ لَأُدِيمَنَّهُمْ عَلَى الْغَوَايَةِ كَمَا أَنَّ الضَّالَّ إِذَا قَالَ لَهُ شَخْصٌ أَنْتَ عَلَى الْجَادَّةِ، فَلَا تتركها، يقال أنه يضله كذلك هاهنا، وَقَوْلُهُ (مَا أَطْغَيْتُهُ) أَيْ مَا كَانَ ابْتِدَاءُ الإطغاء مني.
[1] قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الْمُرَادُ بِالْقَرِينِ فِي الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ هُوَ الشَّيْطَانُ لَا الْمَلَكُ الَّذِي هُوَ شَهِيدٌ وَقَعِيدٌ، وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِهَذَا.
وَقَالَ غَيْرُهُ، الْمُرَادُ الْمَلَكُ لَا الشَّيْطَانُ، وَهَذَا يَصْلُحُ دَلِيلًا لِمَنْ قَالَ ذَلِكَ، وَبَيَانُهُ هُوَ أَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ الشَّيْطَانَ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ (هَذَا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ) [ق: 23] معناه هذا الشخص عندي عتيد متعد لِلنَّارِ أَعْتَدْتُهُ بِإِغْوَائِي، فَإِنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ صَرَّحَ فِي تَفْسِيرِ تِلْكَ بِهَذِهِ، وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ قَوْلُهُ (رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ) مُنَاقِضًا لِقَوْلِهِ (أَعْتَدْتُهُ) ، وَلِلزَّمَخْشَرِيِّ أَنْ يَقُولَ الْجَوَابُ: عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقُولَ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَقُولُ أَعْتَدْتُهُ بِمَعْنَى زَيَّنْتُ لَهُ الْأَمْرَ وَمَا أَلْجَأْتُهُ فَيَصِحُّ الْقَوْلَانِ مِنَ الشَّيْطَانِ.
وَثَانِيهِمَا: أَنْ تَكُونَ الْإِشَارَةُ إِلَى حَالَيْنِ: فَفِي الْحَالَةِ الْأُولَى إِنَّمَا فَعَلْتُ بِهِ ذَلِكَ إِظْهَارًا لِلِانْتِقَامِ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَتَصْحِيحًا لِمَا قَالَ: (فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) [ص: 82] ثُمَّ إِذَا رَأَى الْعَذَابَ وَأَنَّهُ مَعَهُ مُشْتَرِكٌ وَلَهُ عَلَى الْإِغْوَاءِ عَذَابٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ) [ص: 84، 85] فَيَقُولُ (رَبَّنا مَا أَطْغَيْتُهُ) فَيَرْجِعُ عَنْ مَقَالَتِهِ عِنْدَ ظُهُورِ الْعَذَابِ.