فهرس الكتاب

الصفحة 1494 من 2716

اعْلَمْ أَنَّ اللَّه تَعَالَى لَمَّا أَمَرَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالذَّهَابِ إِلَى فِرْعَوْنَ وَكَانَ ذَلِكَ تَكْلِيفًا شَاقًّا فَلَا جَرَمَ سَأَلَ رَبَّهُ أُمُورًا ثَمَانِيَةً، ثُمَّ خَتَمَهَا بِمَا يَجْرِي مَجْرَى الْعِلَّةِ لِسُؤَالِ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ.

الْمَطْلُوبُ الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ: (رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي)

وَالسَّبَبُ فِي هَذَا السُّؤَالِ مَا حَكَى اللَّه تَعَالَى عَنْهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَهُوَ قَوْلُهُ: (وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي) [الشُّعَرَاءِ: 13] فَسَأَلَ اللَّه تَعَالَى أَنْ يُبَدِّلَ ذَلِكَ الضِّيقَ بِالسَّعَةِ، وَقَالَ: (رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي) فَأَفْهَمُ عَنْكَ مَا أَنْزَلْتَ عَلَيَّ مِنَ الْوَحْيِ، وَقِيلَ: شَجِّعْنِي لِأَجْتَرِئَ بِهِ عَلَى مُخَاطَبَةِ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ الْكَلَامُ فِيهِ يَتَعَلَّقُ بِأُمُورٍ.

أَحَدُهَا: فَائِدَةُ الدُّعَاءِ وَشَرَائِطُهُ.

وثانيها: فِي أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَذْكُرُ وَقْتَ الدُّعَاءِ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّه تَعَالَى إِلَّا الرَّبَّ.

وَثَالِثُهَا: مَا مَعْنَى شَرْحِ الصَّدْرِ.

وَرَابِعُهَا: بِمَاذَا يَكُونُ شَرْحُ الصَّدْرِ.

وَخَامِسُهَا: كَيْفَ كَانَ شَرْحُ الصَّدْرِ فِي حَقِّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَسَادِسُهَا: صِفَةُ صَدْرِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ هَلْ كَانَ مُنْشَرِحًا أَوْ لَمْ يَكُنْ مُنْشَرِحًا، فَإِنْ كَانَ مُنْشَرِحًا كَانَ طَلَبُ شَرْحِ الصَّدْرِ تَحْصِيلًا لِلْحَاصِلِ وَهُوَ مُحَالٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُنْشَرِحًا فَهُوَ بَاطِلٌ مِنْ وَجْهَيْنِ.

الْأَوَّلُ: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ بَيَّنَ لَهُ فِيمَا تَقَدَّمَ كُلَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَدْيَانِ مِنْ مَعْرِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ وَالْعُبُودِيَّةِ وَأَحْوَالِ الْمَعَادِ وَكُلُّ مَا يَتَعَلَّقُ بِشَرْحِ الصَّدْرِ فِي بَابِ الدِّينِ فَقَدْ حَصَلَ، ثُمَّ إِنَّهُ سُبْحَانَهُ تَلَطَّفَ لَهُ بِقَوْلِهِ: (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى) [طه: 13] ثُمَّ كَلَّمَهُ عَلَى سَبِيلِ الْمُلَاطَفَةِ بِقَوْلِهِ: (وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى) [طه: 17] ثُمَّ أَظْهَرَ لَهُ الْمُعْجِزَاتِ الْعَظِيمَةَ وَالْكَرَامَاتِ الْجَسِيمَةَ، ثُمَّ أَعْطَاهُ مَنْصِبَ الرِّسَالَةِ بَعْدَ أَنْ كَانَ فَقِيرًا وَكُلُّ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْإِعْزَازُ وَالْإِكْرَامُ فَقَدْ حَصَلَ، وَلَوْ أَنَّ ذَرَّةً مِنْ هَذِهِ الْمَنَاصِبِ حَصَلَتْ لِأَدْوَنِ النَّاسِ لَصَارَ مُنْشَرِحَ الصَّدْرِ فَبَعْدَ حُصُولِهَا لِكَلِيمِ اللَّه تَعَالَى يَسْتَحِيلُ أَنْ لَا يَصِيرَ مُنْشَرِحَ الصَّدْرِ.

وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَصِرْ مُنْشَرِحَ الصَّدْرِ بَعْدَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَمْ يَجُزْ مِنَ اللَّه تَعَالَى تَفْوِيضُ النُّبُوَّةِ إِلَيْهِ فَإِنَّ مَنْ كَانَ ضَيِّقَ الْقَلْبِ مُشَوَّشَ الْخَاطِرِ لَا يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ عَلَى مَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ»

فَكَيْفَ يَصْلُحُ لِلنُّبُوَّةِ الَّتِي أَقَلُّ مَرَاتِبِهَا الْقَضَاءُ؟

فَهَذَا مَجْمُوعُ الْأُمُورِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنَ البحث عنها في هذه الآية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت