فهرس الكتاب

الصفحة 1268 من 2716

قَوْلُهُ: (وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا)

فِيهِ إِشْكَالٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ أَبَا يُوسُفَ وَحَقُّ الْأُبُوَّةِ عَظِيمٌ قَالَ تَعَالَى: (وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا) [الْإِسْرَاءِ: 23] فَقَرَنَ حَقَّ الْوَالِدَيْنِ بِحَقِّ نَفْسِهِ، وَأَيْضًا أَنَّهُ كَانَ شَيْخًا، وَالشَّابُّ يَجِبُ عَلَيْهِ تَعْظِيمُ الشَّيْخِ.

وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَكَابِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَيُوسُفُ وَإِنْ كَانَ نَبِيًّا إِلَّا أَنَّ يَعْقُوبَ كَانَ أَعْلَى حَالًا مِنْهُ.

وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: أَنَّ جِدَّ يَعْقُوبَ وَاجْتِهَادَهُ فِي تَكْثِيرِ الطَّاعَاتِ أَكْثَرُ مِنْ جِدِّ يُوسُفَ وَلَمَّا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الْجِهَاتُ الكثيرة فهذا يُوجِبُ أَنْ يُبَالِغَ يُوسُفُ فِي خِدْمَةِ يَعْقُوبَ فَكَيْفَ اسْتَجَازَ يُوسُفُ أَنْ يَسْجُدَ لَهُ يَعْقُوبُ هَذَا تَقْرِيرُ السُّؤَالِ.

وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ:

الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُمْ خَرُّوا لَهُ أَيْ لِأَجْلِ وِجْدَانِهِ سَجَدَا للَّه تَعَالَى، وَحَاصِلُ الْكَلَامِ: أَنَّ ذَلِكَ السُّجُودَ كَانَ سُجُودًا لِلشُّكْرِ فَالْمَسْجُودُ لَهُ هُوَ اللَّه، إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ السُّجُودَ إِنَّمَا كَانَ لِأَجْلِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ أَنَّ قَوْلَهُ: وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا مُشْعِرٌ بِأَنَّهُمْ صَعِدُوا ذَلِكَ السَّرِيرَ، ثُمَّ سَجَدُوا لَهُ، وَلَوْ أَنَّهُمْ سَجَدُوا لِيُوسُفَ لَسَجَدُوا لَهُ قَبْلَ الصُّعُودِ عَلَى السَّرِيرِ لِأَنَّ ذَلِكَ أَدْخَلُ فِي التَّوَاضُعِ.

فَإِنْ قَالُوا: فَهَذَا التَّأْوِيلُ لَا يُطَابِقُ قوله: (ياأَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ) وَالْمُرَادُ مِنْهُ قَوْلُهُ: (إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ) [يوسف: 4] ؟

قُلْنَا: بَلْ هَذَا مُطَابِقٌ وَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ) لِأَجْلِي أَيْ أَنَّهَا سَجَدَتْ للَّه لِطَلَبِ مَصْلَحَتِي وَلِلسَّعْيِ فِي إِعْلَاءِ مَنْصِبِي، وَإِذَا كَانَ هَذَا مُحْتَمَلًا سَقَطَ السُّؤَالُ.

وَعِنْدِي أَنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ مُتَعَيَّنٌ، لِأَنَّهُ لَا يُسْتَبْعَدُ مِنْ عَقْلِ يُوسُفَ وَدِينِهِ أَنْ يَرْضَى بِأَنْ يَسْجُدَ لَهُ أَبُوهُ مَعَ سَابِقَتِهِ فِي حُقُوقِ الْوِلَادَةِ وَالشَّيْخُوخَةِ وَالْعِلْمِ وَالدِّينِ وَكَمَالِ النُّبُوَّةِ.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: فِي الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمْ جَعَلُوا يُوسُفَ كَالْقِبْلَةِ وَسَجَدُوا للَّه شُكْرًا لِنِعْمَةِ وِجْدَانِهِ.

وَهَذَا التَّأْوِيلُ حَسَنٌ فَإِنَّهُ يُقَالُ: صَلَّيْتُ لِلْكَعْبَةِ كَمَا يُقَالُ: صَلَّيْتُ إِلَى الْكَعْبَةِ.

قَالَ حَسَّانُ شِعْرًا:

مَا كُنْتُ أَعْرِفُ أَنَّ الْأَمْرَ مُنْصَرِفٌ ... عَنْ هَاشِمٍ ثُمَّ مِنْهَا عَنْ أَبِي حَسَنِ

أَلَيْسَ أَوَّلَ مَنْ صَلَّى لِقِبْلَتِكُمْ ... وَأَعْرَفَ النَّاسِ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَنِ

وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فُلَانٌ صَلَّى لِلْقِبْلَةِ، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ سَجَدَ لِلْقِبْلَةِ وَقَوْلُهُ: (وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا) أَيْ جَعَلُوهُ كَالْقِبْلَةِ ثُمَّ سَجَدُوا للَّه شُكْرًا لِنِعْمَةِ وِجْدَانِهِ.

الْوَجْهُ الثَّالِثُ: فِي الْجَوَابِ قَدْ يُسَمَّى التَّوَاضُعُ سُجُودًا كَقَوْلِهِ:

تَرَىَ الْأُكْمَ فِيهَا سُجَّدًا لِلْحَوَافِرِ

وَكَانَ المراد هاهنا التَّوَاضُعَ إِلَّا أَنَّ هَذَا مُشْكِلٌ، لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: (وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا)

وَالْخُرُورُ إِلَى السَّجْدَةِ مُشْعِرٌ بِالْإِتْيَانِ بِالسَّجْدَةِ عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْخُرُورَ قَدْ يُعْنَى بِهِ الْمُرُورُ فَقَطْ قَالَ تَعَالَى: (لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْيانًا) [الْفُرْقَانِ: 73] يَعْنِي لَمْ يَمُرُّوا.

الْوَجْهُ الرَّابِعُ: فِي الْجَوَابِ أَنْ نَقُولَ: الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: (وَخَرُّوا لَهُ) غَيْرُ عَائِدٍ إِلَى الْأَبَوَيْنِ لَا مَحَالَةَ، وَإِلَّا لَقَالَ: وَخَرُّوا لَهُ سَاجِدِينَ، بَلِ الضَّمِيرُ عَائِدٌ إِلَى إِخْوَتِهِ، وَإِلَى سَائِرِ مَنْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ لِأَجْلِ التَّهْنِئَةِ.

وَالتَّقْدِيرُ: وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ مُبَالَغَةً فِي تَعْظِيمِهِمَا، وَأَمَّا الْإِخْوَةُ وَسَائِرُ الدَّاخِلِينَ فَخَرُّوا لَهُ سَاجِدِينَ.

فَإِنْ قالوا: فهذا لا يلائم قوله: (ياأَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ) ؟

قُلْنَا: إِنَّ تَعْبِيرَ الرُّؤْيَا لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُطَابِقًا لِلرُّؤْيَا بِحَسَبِ الصُّورَةِ وَالصِّفَةِ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ فَسُجُودُ الْكَوَاكِبِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، تَعْبِيرٌ عَنْ تَعْظِيمِ الْأَكَابِرِ مِنَ النَّاسِ لَهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَهَابَ يَعْقُوبَ مَعَ أَوْلَادِهِ مِنْ كَنْعَانَ إِلَى مِصْرَ لِأَجْلِهِ فِي نِهَايَةِ التَّعْظِيمِ لَهُ، فَكَفَى هَذَا الْقَدْرُ فِي صِحَّةِ الرُّؤْيَا فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ التَّعْبِيرُ مُسَاوِيًا لِأَصْلِ الرُّؤْيَا فِي الصِّفَةِ وَالصُّورَةِ فَلَمْ يُوجِبْهُ أَحَدٌ مِنَ الْعُقَلَاءِ.

الْوَجْهُ الْخَامِسُ: فِي الْجَوَابِ لَعَلَّ الْفِعْلَ الدَّالَّ عَلَى التَّحِيَّةِ وَالْإِكْرَامِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ هُوَ السُّجُودُ، وَكَانَ مَقْصُودُهُمْ مِنَ السُّجُودِ تَعْظِيمَهُ، وَهَذَا فِي غَايَةِ الْبُعْدِ لِأَنَّ الْمُبَالَغَةَ فِي التَّعْظِيمِ كَانَتْ أَلْيَقَ بِيُوسُفَ مِنْهَا بِيَعْقُوبَ، فَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا قُلْتُمْ، لَكَانَ مِنَ الْوَاجِبِ أَنْ يَسْجُدَ يُوسُفُ لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.

وَالْوَجْهُ السَّادِسُ: فِيهِ أَنْ يُقَالَ: لَعَلَّ إِخْوَتَهُ حَمَلَتْهُمُ الْأَنَفَةُ وَالِاسْتِعْلَاءُ عَلَى أَنْ لَا يَسْجُدُوا لَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّوَاضُعِ، وَعَلِمَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ لَصَارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِثَوَرَانِ الْفِتَنِ وَلِظُهُورِ الْأَحْقَادِ الْقَدِيمَةِ بَعْدَ كُمُونِهَا فَهُوَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعَ جَلَالَةِ قَدْرِهِ وَعِظَمِ حَقِّهِ بِسَبَبِ الْأُبُوَّةِ وَالشَّيْخُوخَةِ وَالتَّقَدُّمِ فِي الدِّينِ وَالنُّبُوَّةِ وَالْعِلْمِ فَعَلَ ذَلِكَ السُّجُودَ، حَتَّى تَصِيرَ مُشَاهَدَتُهُمْ لِذَلِكَ سَبَبًا لِزَوَالِ الْأَنَفَةِ وَالنَّفْرَةِ عَنْ قُلُوبِهِمْ، أَلَا تَرَى أَنَّ السُّلْطَانَ الْكَبِيرَ إِذَا نَصَّبَ مُحْتَسِبًا فَإِذَا أَرَادَ تَرْتِيبَهُ مَكَّنَهُ فِي إِقَامَةِ الْحِسْبَةِ عَلَيْهِ لِيَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا فِي أَنْ لَا يَبْقَى فِي قَلْبِ أَحَدٍ مُنَازَعَةُ ذَلِكَ الْمُحْتَسِبِ فِي إِقَامَةِ الحسبة فكذا هاهنا.

الْوَجْهُ السَّابِعُ: لَعَلَّ اللَّه تَعَالَى أَمَرَ يَعْقُوبَ بِتِلْكَ السَّجْدَةِ لِحِكْمَةٍ خَفِيَّةٍ لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا هُوَ كَمَا أَنَّهُ أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ لِحِكْمَةٍ لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا هُوَ، وَيُوسُفُ مَا كَانَ رَاضِيًا بِذَلِكَ فِي قَلْبِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ اللَّه أَمَرَهُ بِذَلِكَ سَكَتَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت