«فَإِنْ قِيلَ» : فَإِذَا كَانَتِ النِّعَمُ غَيْرَ مُتَنَاهِيَةٍ وَمَا لَا يَتَنَاهَى لَا يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِهِ فِي حَقِّ الْعَبْدِ فَكَيْفَ أَمَرَ بِتَذَكُّرِهَا فِي قَوْلِهِ: (اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ)
وَالْجَوَابُ أَنَّهَا غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ بِحَسَبِ الْأَنْوَاعِ وَالْأَشْخَاصِ إِلَّا أَنَّهَا مُتَنَاهِيَةٌ بِحَسَبِ الْأَجْنَاسِ، وَذَلِكَ يَكْفِي فِي التَّذْكِيرِ الَّذِي يُفِيدُ الْعِلْمَ بِوُجُودِ الصَّانِعِ الْحَكِيمِ.
«فَإِنْ قِيلَ» : هَذِهِ النِّعَمُ مَا كَانَتْ عَلَى الْمُخَاطَبِينَ بَلْ كَانَتْ عَلَى آبَائِهِمْ فَكَيْفَ تَكُونُ نِعَمًا عَلَيْهِمْ وَسَبَبًا لِعِظَمِ مَعْصِيَتِهِمْ؟
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: لَوْلَا هَذِهِ النِّعَمُ عَلَى آبَائِهِمْ لَمَا بَقُوا فَمَا كَانَ يَحْصُلُ هَذَا النَّسْلُ فَصَارَتِ النِّعَمُ عَلَى الْآبَاءِ كَأَنَّهَا نِعَمٌ عَلَى الْأَبْنَاءِ.
وَثَانِيهَا: أَنَّ الِانْتِسَابَ إِلَى الْآبَاءِ وَقَدْ خَصَّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِنِعَمِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ فِي حَقِّ الْأَوْلَادِ.
وَثَالِثُهَا: الأولاد متى سمعوا أن الله خَصَّ آبَاءَهُمْ بِهَذِهِ النِّعَمِ لِمَكَانِ طَاعَتِهِمْ وَإِعْرَاضِهِمْ عَنِ الْكُفْرِ وَالْجُحُودِ رَغِبَ الْوَلَدُ فِي هَذِهِ الطَّرِيقَةِ لِأَنَّ الْوَلَدَ مَجْبُولٌ عَلَى التَّشَبُّهِ بِالْأَبِ فِي أَفْعَالِ الْخَيْرِ فَيَصِيرُ هَذَا التَّذْكِيرُ دَاعِيًا إِلَى الِاشْتِغَالِ بِالْخَيْرَاتِ وَالْإِعْرَاضِ عَنِ الشُّرُورِ.