فهرس الكتاب

الصفحة 863 من 2716

وَفِي الْآيَةِ سُؤَالَاتٌ:

السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: مِنَ الْحَيَوَانِ مَا لَا يَدْخُلُ فِي هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ مِثْلَ حِيتَانِ الْبَحْرِ، وَسَائِرِ مَا يَسْبَحُ فِي الْمَاءِ وَيَعِيشُ فِيهِ؟

وَالْجَوَابُ: لَا يَبْعُدُ أَنْ يُوصَفَ بِأَنَّهَا دَابَّةٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا تَدِبُّ فِي الْمَاءِ أَوْ هِيَ كَالطَّيْرِ، لِأَنَّهَا تَسْبَحُ فِي الْمَاءِ، كَمَا أَنَّ الطَّيْرَ يَسْبَحُ فِي الْهَوَاءِ، إِلَّا أَنَّ وَصْفَهَا بِالدَّبِيبِ أَقْرَبُ إِلَى اللُّغَةِ مِنْ وَصْفِهَا بِالطَّيَرَانِ.

السُّؤَالُ الثَّانِي: مَا الْفَائِدَةُ فِي تَقْيِيدِ الدَّابَّةِ بِكَوْنِهَا فِي الْأَرْضِ؟

وَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ:

الْأَوَّلُ: أَنَّهُ خَصَّ مَا فِي الْأَرْضِ بِالذِّكْرِ دُونَ مَا فِي السَّمَاءِ احْتِجَاجًا بِالْأَظْهَرِ لِأَنَّ مَا فِي السَّمَاءِ وَإِنْ كَانَ مَخْلُوقًا مِثْلَنَا فَغَيْرُ ظَاهِرٍ،

وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ ذِكْرِ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ عِنَايَةَ اللَّه تَعَالَى لَمَّا كَانَتْ حَاصِلَةً فِي هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ فَلَوْ كَانَ إِظْهَارُ الْمُعْجِزَاتِ الْقَاهِرَةِ مَصْلَحَةً لَمَا مَنَعَ اللَّه مِنْ إِظْهَارِهَا.

وَهَذَا الْمَقْصُودُ إِنَّمَا يَتِمُّ بِذِكْرِ مَنْ كَانَ أَدْوَنَ مَرْتَبَةً مِنَ الْإِنْسَانِ لَا بِذِكْرِ مَنْ كَانَ أَعْلَى حَالًا مِنْهُ، فَلِهَذَا الْمَعْنَى قَيَّدَ الدَّابَّةَ بِكَوْنِهَا فِي الْأَرْضِ.

السُّؤَالُ الثَّالِثُ: مَا الْفَائِدَةُ فِي قَوْلِهِ (يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ) ؟

مَعَ أَنَّ كُلَّ طَائِرٍ إِنَّمَا يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ؟

وَالْجَوَابُ فِيهِ مِنْ وُجُوهٍ:

الْأَوَّلُ: أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ إِنَّمَا ذُكِرَ لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ نَعْجَةٌ أُنْثَى وَكَمَا يُقَالُ: كَلَّمْتُهُ بِفِيَّ وَمَشَيْتُ إِلَيْهِ بِرِجْلَيَّ.

الثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ لِعَبْدِهِ طِرْ فِي حَاجَتِي. وَالْمُرَادُ الْإِسْرَاعُ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ: فَقَدْ يَحْصُلُ الطَّيَرَانُ لَا بِالْجَنَاحِ.

قَالَ الْحَمَاسِيُّ:

طاروا إليه زرافات ووحدانا

فذكر الجناح ليتمحض هَذَا الْكَلَامُ فِي الطَّيْرِ.

وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي صِفَةِ الْمَلَائِكَةِ (جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ) [فَاطِرٍ: 1] فَذَكَرَ هاهنا قَوْلَهُ (وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ) لِيَخْرُجَ عَنْهُ الْمَلَائِكَةُ فَإِنَّا بَيَّنَّا أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ إِنَّمَا يَتِمُّ بِذِكْرِ مَنْ كَانَ أَدْوَنَ حَالًا مِنَ الْإِنْسَانِ لَا بِذِكْرِ مَنْ كَانَ أَعْلَى حَالًا مِنْهُ.

السُّؤَالُ الرَّابِعُ: كَيْفَ قَالَ: (إِلَّا أُمَمٌ) مَعَ إِفْرَادِ الدَّابَّةِ وَالطَّائِرِ؟

وَالْجَوَابُ: لما كان قوله ما مِنْ دَابَّةٍ وَلَا طائِرٍ دَالًّا عَلَى مَعْنَى الِاسْتِغْرَاقِ وَمُغْنِيًا عَنْ أَنْ يَقُولَ: وَمَا مِنْ دَوَابَّ وَلَا طُيُورٍ لَا جَرَمَ حُمِلَ قَوْلُهُ (إِلَّا أُمَمٌ) عَلَى الْمَعْنَى.

السُّؤَالُ الْخَامِسُ: قَوْلُهُ (إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ)

قَالَ الْفَرَّاءُ: يُقَالُ إِنَّ كُلَّ صِنْفٍ مِنَ الْبَهَائِمِ أُمَّةٌ

وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا»

فَجَعَلَ الْكِلَابَ أُمَّةً.

إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: الْآيَةُ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الدَّوَابَّ وَالطُّيُورَ أَمْثَالُنَا، وَلَيْسَ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْمُمَاثَلَةَ فِي أَيِّ الْمَعَانِي حَصَلَتْ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ حُصُولُ الْمُمَاثَلَةِ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ وَإِلَّا لَكَانَ يَجِبُ كَوْنُهَا أَمْثَالًا لنا في الصورة والصفة وَالْخِلْقَةِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ فَظَهَرَ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِي الْآيَةِ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْمُمَاثَلَةَ حَصَلَتْ فِي أَيِّ الْأَحْوَالِ وَالْأُمُورِ فَبَيَّنُوا ذَلِكَ؟

وَالْجَوَابُ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَعْيِينِ الْأَمْرِ الَّذِي حَكَمَ اللَّه تَعَالَى فِيهِ بِالْمُمَاثَلَةِ بَيْنَ الْبَشَرِ وَبَيْنَ الدَّوَابِّ وَالطُّيُورِ وَذَكَرُوا فِيهِ أَقْوَالًا:

الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: نَقَلَ الْوَاحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: يُرِيدُ، يَعْرِفُونَنِي وَيُوَحِّدُونَنِي وَيُسَبِّحُونَنِي وَيَحْمَدُونَنِي.

وَإِلَى هَذَا الْقَوْلِ ذَهَبَ طَائِفَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ وَقَالُوا: إِنَّ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ تَعْرِفُ اللَّه وَتَحْمَدُهُ وَتُوَحِّدُهُ وَتُسَبِّحُهُ وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقوله تَعَالَى: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) [الْإِسْرَاءِ: 44] وَبِقَوْلِهِ فِي صِفَةِ الْحَيَوَانَاتِ (كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ) [النُّورِ: 41] وَبِمَا أَنَّهُ تَعَالَى خَاطَبَ النَّمْلَ وَخَاطَبَ الْهُدْهُدَ، وَقَدِ اسْتَقْصَيْنَا فِي تَقْرِيرِ هَذَا الْقَوْلِ وَتَحْقِيقِهِ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ.

وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ قَالَ: أُبْهِمَتْ عُقُولُ الْبَهَائِمِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا عَنْ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: مَعْرِفَةِ الْإِلَهِ، وَطَلَبِ الرِّزْقِ، وَمَعْرِفَةِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَتَهَيُّؤِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ.

وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ عُصْفُورًا عَبَثًا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَعِجُّ إِلَى اللَّه يَقُولُ يَا رَبِّ إِنَّ هَذَا قَتَلَنِي عَبَثًا لَمْ يَنْتَفِعْ بِي وَلَمْ يَدَعْنِي آكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ» .

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: الْمُرَادُ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ فِي كونها أمما وجماعات وفي كونها مَخْلُوقَةً بِحَيْثُ يُشْبِهُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَيَأْنَسُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، وَيَتَوَالَدُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ كَالْإِنْسِ إِلَّا أَنَّ لِلسَّائِلِ أَنْ يَقُولَ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا يُفِيدُ فَائِدَةً مُعْتَبَرَةً لِأَنَّ كَوْنَ الْحَيَوَانَاتِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ أَمْرٌ مَعْلُومٌ لِكُلِّ أَحَدٍ فَلَا فَائِدَةَ فِي الْإِخْبَارِ عَنْهَا.

الْقَوْلُ الثَّالِثُ: الْمُرَادُ أَنَّهَا أَمْثَالُنَا فِي أَنْ دَبَّرَهَا اللَّه تَعَالَى وَخَلَقَهَا وَتَكَفَّلَ بِرِزْقِهَا وَهَذَا يَقْرُبُ مِنَ الْقَوْلِ الثَّانِي فِي أَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الْإِخْبَارِ عَمَّا عُلِمَ حُصُولُهُ بِالضَّرُورَةِ.

الْقَوْلُ الرَّابِعُ: الْمُرَادُ أَنَّهُ تَعَالَى كَمَا أَحْصَى فِي الْكِتَابِ كُلَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِأَحْوَالِ الْبَشَرِ، مِنَ الْعُمْرِ وَالرِّزْقِ وَالْأَجَلِ وَالسَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ فَكَذَلِكَ أَحْصَى فِي الْكِتَابِ جَمِيعَ هَذِهِ الْأَحْوَالِ فِي كُلِّ الْحَيَوَانَاتِ.

قَالُوا: وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ) وَلَيْسَ لِذِكْرِ هَذَا الْكَلَامِ عَقِيبَ قَوْلِهِ (إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ) فَائِدَةٌ إلا ما ذكرناه.

الْقَوْلُ الْخَامِسُ: أَرَادَ تَعَالَى أَنَّهَا أَمْثَالُنَا فِي أنها تحشر يوم القيامة يوصل إِلَيْهَا حُقُوقُهَا، كَمَا

رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «يُقْتَصُّ لِلْجَمَّاءِ مِنَ الْقَرْنَاءِ» .

الْقَوْلُ السَّادِسُ: مَا اخْتَرْنَاهُ فِي نَظْمِ الْآيَةِ، وَهُوَ أَنَّ الْكُفَّارَ طَلَبُوا مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِتْيَانَ بِالْمُعْجِزَاتِ الْقَاهِرَةِ الظَّاهِرَةِ، فَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ عِنَايَتَهُ وَصَلَتْ إِلَى جَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ كَمَا وَصَلَتْ إِلَى الْإِنْسَانِ.

وَمَنْ بَلَغَتْ رَحْمَتُهُ وَفَضْلُهُ إِلَى حَيْثُ لَا يَبْخَلُ بِهِ عَلَى الْبَهَائِمِ كَانَ بِأَنْ لَا يَبْخَلَ بِهِ عَلَى الْإِنْسَانِ أَوْلَى، فَدَلَّ مَنْعُ اللَّه مِنْ إِظْهَارِ تِلْكَ الْمُعْجِزَاتِ الْقَاهِرَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا مَصْلَحَةَ لِأُولَئِكَ السَّائِلِينَ فِي إِظْهَارِهَا، وَأَنَّ إِظْهَارَهَا عَلَى وَفْقِ سُؤَالِهِمْ وَاقْتِرَاحِهِمْ يُوجِبُ عَوْدَ الضَّرَرِ الْعَظِيمِ إِلَيْهِمْ.

الْقَوْلُ السَّابِعُ: مَا رَوَاهُ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، أَنَّهُ لَمَّا قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ قَالَ: مَا فِي الْأَرْضِ آدَمِيٌّ إِلَّا وَفِيهِ شَبَهٌ مِنْ بَعْضِ الْبَهَائِمِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُقْدِمُ إِقْدَامَ الْأَسَدِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْدُو عَدْوَ الذِّئْبِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْبَحُ نُبَاحَ الْكَلْبِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَطَوَّسُ كَفِعْلِ الطَّاوُسِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُشْبِهُ الْخِنْزِيرَ فَإِنَّهُ لَوْ أُلْقِيَ إِلَيْهِ الطَّعَامُ الطَّيِّبُ تَرَكَهُ وَإِذَا قَامَ الرَّجُلُ عَنْ رَجِيعِهِ وَلَغَ فِيهِ.

فَكَذَلِكَ نَجِدُ مِنَ الْآدَمِيِّينَ مَنْ لَوْ سَمِعَ خَمْسِينَ حِكْمَةً لَمْ يَحْفَظْ وَاحِدَةً مِنْهَا، فَإِنْ أَخْطَأْتَ مَرَّةً وَاحِدَةً حَفِظَهَا، وَلَمْ يَجْلِسْ مَجْلِسًا إِلَّا رواه عنه.

ثُمَّ قَالَ: فَاعْلَمْ يَا أَخِي أَنَّكَ إِنَّمَا تُعَاشِرُ الْبَهَائِمَ وَالسِّبَاعَ، فَبَالِغْ فِي الْحِذَارِ وَالِاحْتِرَازِ، فَهَذَا جُمْلَةُ مَا قِيلَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت