فِي الْآيَةِ سُؤَالَاتٌ:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: الْجَانِبُ مَوْصُوفٌ، وَالْغَرْبِيُّ صِفَةٌ، فَكَيْفَ أَضَافَ الْمَوْصُوفَ إِلَى الصِّفَةِ؟
الْجَوَابُ: هَذِهِ مَسْأَلَةٌ خِلَافِيَّةٌ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ، فَعِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ لَا يَجُوزُ إِضَافَةُ الْمَوْصُوفِ إِلَى الصِّفَةِ إِلَّا بِشَرْطٍ خَاصٍّ سَنَذْكُرُهُ، وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ يَجُوزُ ذَلِكَ مُطْلَقًا.
السُّؤَالُ الثَّانِي: مَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ) ؟
الْجَوَابُ: الْجَانِبُ الْغَرْبِيُّ هُوَ الْمَكَانُ الْوَاقِعُ فِي شِقِّ الْغَرْبِ، وَهُوَ الْمَكَانُ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ مِيقَاتُ مُوسَى عَلَيْهِ السلام من الطور، وكتب اللَّه له فِي الْأَلْوَاحِ وَالْأَمْرُ الْمَقْضِيُّ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ الْوَحْيُ الَّذِي أُوحِيَ إِلَيْهِ، وَالْخِطَابُ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: وَمَا كُنْتَ حاضرا الْمَكَانِ الَّذِي أَوْحَيْنَا فِيهِ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَلَا كُنْتَ مِنْ جُمْلَةِ الشَّاهِدِينَ لِلْوَحْيِ إِلَيْهِ أَوْ عَلَى الْمُوحَى إِلَيْهِ، وَهِيَ لِأَنَّ الشَّاهِدَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ حَاضِرًا، وَهُمْ نُقَبَاؤُهُ الَّذِينَ اخْتَارَهُمْ لِلْمِيقَاتِ.
السُّؤَالُ الثَّالِثُ: لَمَّا قَالَ (وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ) ثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَاهِدًا، لِأَنَّ الشَّاهِدَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا، فَمَا الْفَائِدَةُ فِي إِعَادَةِ قَوْلِهِ: (وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ) ؟
الْجَوَابُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا: التَّقْدِيرُ لَمْ تَحْضُرْ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ، وَلَوْ حَضَرْتَ فَمَا شَاهَدْتَ تِلْكَ الْوَقَائِعَ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ، وَلَا يَشْهَدُ وَلَا يَرَى.
السُّؤَالُ الرَّابِعُ: كَيْفَ يَتَّصِلُ قَوْلُهُ: (وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُونًا بِهَذَا الْكَلَامِ) وَمِنْ أَيِّ وَجْهٍ يَكُونُ اسْتِدْرَاكًا لَهُ؟
الْجَوَابُ: مَعْنَى الْآيَةِ: وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا بَعْدَ عَهْدِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى عَهْدِكَ قُرُونًا كَثِيرَةً فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَهُوَ الْقَرْنُ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ، فَانْدَرَسَتِ الْعُلُومُ فَوَجَبَ إِرْسَالُكَ إِلَيْهِمْ، فَأَرْسَلْنَاكَ وَعَرَّفْنَاكَ أَحْوَالَ الْأَنْبِيَاءِ وَأَحْوَالَ مُوسَى، فَالْحَاصِلُ كَأَنَّهُ قَالَ وَمَا كُنْتَ شَاهِدًا لِمُوسَى وَمَا جَرَى عَلَيْهِ، وَلَكِنَّا أَوْحَيْنَاهُ إِلَيْكَ فَذَكَرَ سَبَبَ الْوَحْيِ الَّذِي هُوَ إِطَالَةُ الْفَتْرَةِ وَدَلَّ بِهِ عَلَى الْمُسَبَّبِ، فَإِذَنْ هَذَا الِاسْتِدْرَاكُ شَبِيهُ الِاسْتِدْرَاكَيْنِ بَعْدَهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى الْمُعْجِزِ كَأَنَّهُ قَالَ إِنَّ فِي إِخْبَارِكَ عَنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مِنْ غَيْرِ حُضُورٍ وَلَا مُشَاهَدَةٍ وَلَا تَعَلُّمٍ مِنْ أَهْلِهِ، دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى نُبُوَّتِكَ كَمَا قَالَ: (أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولى) [طه: 133] .