قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا مَا تَرَكَ)
الْمَعْنَى إِنْ كَانَتِ الْبَنَاتُ أَوِ الْمَوْلُودَاتُ نِسَاءً خُلْصًا لَيْسَ مَعَهُنَّ ابْنٌ، وَقَوْلُهُ: (فَوْقَ اثْنَتَيْنِ) يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا ثَانِيًا لِكَانَ، وَأَنْ يَكُونَ صِفَةً لِقَوْلِهِ: (نِساءً) أَيْ نساء زائدات على اثنتين.
وهاهنا سُؤَالَاتٌ.
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) كَلَامٌ مَذْكُورٌ لِبَيَانِ حَظِّ الذَّكَرِ مِنَ الْأَوْلَادِ، لَا لِبَيَانِ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، فَكَيْفَ يَحْسُنُ إِرَادَتُهُ بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ كُنَّ نِساءً) وَهُوَ لِبَيَانِ حَظِّ الْإِنَاثِ؟
وَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّا بَيَّنَّا أَنَّ قَوْلَهُ: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ دَلَّ عَلَى أَنَّ حَظَّ الْأُنْثَيَيْنِ هُوَ الثُّلُثَانِ، فَلَمَّا ذَكَرَ مَا دَلَّ عَلَى حُكْمِ الْأُنْثَيَيْنِ قَالَ بَعْدَهُ: (فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا مَا تَرَكَ) عَلَى مَعْنَى: فَإِنْ كُنَّ جَمَاعَةَ بَالِغَاتٍ مَا بَلَغْنَ مِنَ الْعَدَدِ، فلهن ما للثنتين وَهُوَ الثُّلُثَانِ، لِيُعْلَمَ أَنَّ حُكْمَ الْجَمَاعَةِ حُكْمُ الثنتين بِغَيْرِ تَفَاوُتٍ، فَثَبَتَ أَنَّ هَذَا الْعَطْفَ مُتَنَاسِبٌ.
الثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْأُنْثَيَيْنِ، فَكَفَى هَذَا الْقَوْلُ فِي حُسْنِ هَذَا الْعَطْفِ.
السُّؤَالُ الثَّانِي: هَلْ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرَانِ فِي «كُنَّ» وَ «كَانَتْ» مُبْهَمَيْنِ وَيَكُونَ «نِسَاءً» وَ «وَاحِدَةً» تَفْسِيرًا لَهُمَا عَلَى أَنَّ «كَانَ» تَامَّةٌ؟
الْجَوَابُ: ذَكَرَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : أَنَّهُ لَيْسَ بِبَعِيدٍ.
السُّؤَالُ الثَّالِثُ: النِّسَاءُ: جَمْعٌ، وَأَقَلُّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ، فَالنِّسَاءُ يَجِبُ أَنْ يَكُنَّ فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَمَا الْفَائِدَةُ فِي التَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِ فَوْقَ اثْنَتَيْنِ؟
الْجَوَابُ: مَنْ يَقُولُ أَقَلُّ الْجَمْعِ اثْنَانِ فَهَذِهِ الْآيَةُ حُجَّتُهُ، وَمَنْ يَقُولُ: هُوَ ثَلَاثَةٌ قَالَ هَذَا لِلتَّأْكِيدِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: (إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارًا) [النساء: 10] وَقَوْلِهِ: (لَا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ) [النَّحْلِ: 51] .