فهرس الكتاب

الصفحة 1234 من 2716

وَفِي الْآيَةِ لَطَائِفُ: إِحْدَاهَا: أَنَّ «مَا» يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ نَافِيَةً، أَيْ لَيْسَ جَزَاؤُهُ إِلَّا السِّجْنُ، وَيَجُوزُ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ اسْتِفْهَامِيَّةً يَعْنِي أَيُّ شَيْءٍ جَزَاؤُهُ إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ كَمَا تَقُولُ: مَنْ فِي الدَّارِ إِلَّا زَيْدٌ.

وَثَانِيهَا: أَنَّ حُبَّهَا الشَّدِيدَ لِيُوسُفَ حَمَلَهَا عَلَى رِعَايَةِ دَقِيقَتَيْنِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا بَدَأَتْ بِذِكْرِ السِّجْنِ، وَأَخَّرَتْ ذِكْرَ الْعَذَابِ، لِأَنَّ الْمُحِبَّ لَا يَسْعَى فِي إِيلَامِ الْمَحْبُوبِ، وَأَيْضًا أَنَّهَا لَمْ تَذْكُرْ أَنَّ يُوسُفَ يَجِبُ أَنْ يُعَامَلَ بِأَحَدِ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ، بَلْ ذَكَرَتْ ذَلِكَ ذِكْرًا كُلِّيًّا صَوْنًا لِلْمَحْبُوبِ عَنِ الذِّكْرِ بِالسُّوءِ وَالْأَلَمِ، وَأَيْضًا قَالَتْ: إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ وَالْمُرَادُ أَنْ يُسْجَنَ يَوْمًا أَوْ أَقَلَّ عَلَى سَبِيلِ التَّخْفِيفِ.

فَأَمَّا الْحَبْسُ الدائم فإنه لا يعبر بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ، بَلْ يُقَالُ: يَجِبُ أَنْ يُجْعَلَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ أَلَا تَرَى أَنَّ فِرْعَوْنَ هَكَذَا قَالَ حِينَ تَهَدَّدَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي قَوْلِهِ: (لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) [الشُّعَرَاءِ: 29]

وَثَالِثُهَا: أَنَّهَا لَمَّا شَاهَدَتْ مِنْ يوسف عليه السلام أنه استعصم منها أَنَّهُ كَانَ فِي عُنْفُوَانِ الْعُمُرِ وَكَمَالِ الْقُوَّةِ وَنِهَايَةِ الشَّهْوَةِ، عَظُمَ اعْتِقَادُهَا فِي طَهَارَتِهِ وَنَزَاهَتِهِ فَاسْتَحْيَتْ أَنْ تَقُولَ إِنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَصَدَنِي بِالسُّوءِ، وَمَا وَجَدَتْ مِنْ نَفْسِهَا أَنْ تَرْمِيَهُ بِهَذَا الْكَذِبِ عَلَى سَبِيلِ التَّصْرِيحِ بَلِ اكْتَفَتْ بِهَذَا التَّعْرِيضِ، فَانْظُرْ إِلَى تِلْكَ الْمَرْأَةِ مَا وَجَدَتْ مِنْ نَفْسِهَا أَنْ تَرْمِيَهُ بِهَذَا الْكَذِبِ وَأَنَّ هَؤُلَاءِ الْحَشْوِيَّةَ يَرْمُونَهُ بَعْدَ قَرِيبٍ مِنْ أَرْبَعَةِ آلَافِ سَنَةٍ بِهَذَا الذَّنْبِ الْقَبِيحِ.

ورابعها: أن يوسف عليه السلام أراد يَضْرِبَهَا وَيَدْفَعَهَا عَنْ نَفْسِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا جَارِيًا مَجْرَى السُّوءِ فَقَوْلُهَا: مَا جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا جاريا مَجْرَى التَّعْرِيضِ فَلَعَلَّهَا بِقَلْبِهَا كَانَتْ تُرِيدُ إِقْدَامَهُ عَلَى دَفْعِهَا وَمَنْعِهَا وَفِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ كَانَتْ تُوهِمُ أَنَّهُ قَصَدَنِي بِمَا لَا يَنْبَغِي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت